يعيش العراق هذه الأيام أزمة كبيرة تهدد أمنه واستقراره السياسي، فيما لو استمرت عقلية الاستئثار والتفرد منطلقاً لبعض المواقف. فالعراق لا يحكم إلا بالتوافق، وقد ولى عصر الحزب الواحد والرأي الواحد منذ سنوات.
لقد تركت سنوات الحرب ندوباً عميقة في جسد العراق، ليس من السهل اندمالها إلا ضمن أجواء من التشاركية والتوافق.
يحتاج العراق إلى جرعة من الثقة بين جميع مكونات المشهد السياسي، وأن يغلب الجميع مصالح بلدهم على المصالح الحزبية وحتى الإقليمية، لأن العراق باق والأنظمة والأحزاب والايديولوجيات إلى زوال، مهما طال بها الزمن.
ليس منطقياً أن يدعي طرف أنه قادر لوحده على قيادة العراق، وليس سليماً أن يحاول طرف إقصاء الطرف الآخر تحت أي عذر أو مسمى أو ذريعة، لأن المقولات التي كانت تطلق لتبرير إقصاء هذا الطرف أو ذاك أثبتت الأيام أنها مفخخات مزروعة في جسد العراق تنتظر لحظة تفجيرها، ولذلك من المفيد حالياً نزع فتيل هذه الأزمة وإيصال العراق إلى بر الأمان عبر التوافق على حل لجميع القضايا العالقة.
كانت تجربة الاحتلال قاسية بكل ما للكلمة من معنى، والآن وبما ان الاحتلال زال، لم يعد مبرراً بقاء أي سلوك أو موقف سياسي يرتبط بتلك الحقبة، فما كان جائزاً أثناء الاحتلال لم يعد كذلك في مرحلة ما بعد الاحتلال.
ولعل فكرة المنتصر والمنهزم التي يحاول البعض العمل من خلالها، هي وصفة للفتنة، خصوصاً إذا اعتبر طرف معين أنه منتصر على طرف آخر، يفترض أن يشاركه الوطن، وأن يربط طرف بين شريكه في الوطن وبين أجندات إقليمية، فعند ذلك ستنعدم الثقة ويمضي استقرار البلد إلى المجهول.
هي مرحلة نوعية جديدة إذاً في العراق، ينبغي التعامل معها بروحية جديدة وعقلية منفتحة على جميع الخيارات التي تؤدي إلى العبور من النفق المظلم الذي يميز مرحلة ما بعد الاحتلال، إلى مرحلة الاستقرار السياسي والأمني، الذي سيضمن وحدة وقوة العراق، لأن العراق المستقر الموحد ضرورة لجميع شعوب المنطقة، بقدر ما هو ضرورة وطنية لكل العراقيين.