أصبحت دولة العراق مع أول يوم من هذه السنة الجديدة دولة ذات سيادة وطنية بعد توليها زمام الأمور من قوات الاحتلال الأميركي التي انسحبت وسلمت معظم قواعدها للجيش العراقي، لكن استمرار الغرق في أتون المذهبية والعرقية، وهيمنة فئة على فئات أخرى، أمر سيقود العراق إلى مرحلة أخرى من التقاتل، لن يكون أحد رابحاً فيها، بل ستكون مرحلة ما بعد الانسحاب أشد وطأة من المراحل التي سبقت، الأمر الذي يعزز ضرورة التوحد في الجبهة والاتجاه بين مختلف مكونات بلاد الرافدين التي صدّرت الحضارات والثقافات إلى مختلف أصقاع العالم.

هناك إجماع اليوم لدى المحللين العراقيين وحتى العرب يقول إنه لا توجد بارقة أمل حقيقية تبشر بتحسن الأوضاع في العراق نحو الأفضل إلا إذا كانت لدى قادة الكتل السياسية النية الحقيقية على العمل من أجل بناء مشروع شراكة وطنية جامع لكل الشخصيات العراقية الوطنية والكتل السياسية التي اختارها الشعب والتخلي عن التعنت في الآراء والتصريحات المعادية التي تحدث حالة من عدم الاستقرار السياسي الذي يخيّم بظلاله على الشارع العراقي والعمل على أساس الكتلة الواحدة الطامحة إلى تحقيق المصلحة الوطنية المشتركة والعدالة والتنمية.

إن ما يجري في العراق اليوم لم يعد شأناً داخلياً محضاً، وإنما تجاوز إلى محيطه الإقليمي والدولي فلم يعد بؤرة الأزمات ونقطة الالتقاء الاستراتيجية ما بين الشرق والغرب وإنما مفتاح السلام في المنطقة، وان الفشل والانهيار يعدان مقدمة لحروب طائفية، فالمحاصصة التي هددت ومازالت تهدد أمن واستقرار العراق تمثل عقبة تواجه العملية السياسية حتى أصبحت خطراً يهدد العراق في وحدته الوطنية ونسيجه الاجتماعي وسيادته الإقليمية وكان للأخطاء التي ارتكبتها أميركا دور كبير في إعاقة بناء الدولة، علماً أن عملية بناء الدولة تتطلب اتباع إجراءات تهدف إلى تنمية الإدراك المشترك لدى العراقيين بأهمية الانتماء إلى العراق وأن يكونوا شعباً واحداً مهما تعددت طوائفه والرغبة في العيش سوياً.

 وان التحدي السياسي الأكبر، يكمن في إمكانية صياغة سياسة خارجية، تحكم وتضبط العلاقات العراقية مع دول الجوار الجغرافي، والتي بمجملها لها من الأهداف والغايات والمصالح، ما يجعلها لصيقة بالعراق وإمكاناته، وبالتالي ان قراءة العراقيين الدقيقة لمستقبل علاقاتهم العربية والإقليمية هي ضرورة ولازمة لبناء عراق قوي، يعيد دوره الفاعل في وسطه العربي والإقليمي.