لا خلاف حول المخاطر الجسيمة التي ينطوي عليها الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، فهذا الملف الذي شبهه البعض بالمتفجرات المزروعة داخل عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، يمثل اليوم أكبر تحد أمام المجتمع الدولي الذي يسعى على قدم وساق لإعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات، تلافياً للإحراج الذي سببه نقل ملف الدولة الفلسطينية إلى مجلس الأمن.
يعتقد اليمين المتطرف، وهو منذ سنوات طويلة يشكل الغالبية الساحقة من الإسرائيليين، أن الاستيطان هو الرئة التي تتنفس منها إسرائيل الأوكسجين، وأن عملية السلام ما هي إلى وسيلة لكسب الوقت، وتعزيز الاستيطان، الذي يفترض أن يشكل من خلاله الإسرائيليون الغالبية السكانية حتى في الأراضي المحتلة عام 1967، ولذلك يعد هذا الموضوع بالنسبة لهم استراتيجياً لا يمكن التفاوض حوله أو التنازل عنه، لأنه برأيهم هو روح المشروع الصهيوني الذي بات يخشى عليه في ظل القنبلة الديمغرافية الفلسطينية.
ولكن فات هؤلاء أن الشعب الفلسطيني موجود على أرضه، ومستعد للدفاع عنها مهما غلا الثمن، فطمر الرأس في الرمال كما تفعل النعامة عند الخطر، لا يفيد، لأن الشعب الذي ما فتئ يناضل في سبيل نيل حرية منذ عشرينيات القرن الماضي لم يمرر هذا المخطط الجديد الذي يريد أن يقضم الأرض ويحرم الدولة الفلسطينية من التواصل الجغرافي الضروري للحياة.
لقد رضي الفلسطينيون منذ مؤتمر مدريد بمطالب الحد الأدنى، وهي إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي عام 1967، ولن يرضوا أن تقام هذه الدولة على أقل من ذلك، حتى وإن تحدث البعض عن حلول تكتيكية هنا وهناك، ولكن أن تقام دولة فلسطينية مقطعة الأوصال بالمستوطنات والطرق الالتفافية، ويعيش على ترابها مئات آلاف المستوطنين الصهاينة، ودون مدينة القدس الشرقية عاصمة لها، فهذا يبدو من رابع المستحيلات، ولا توجد قيادة فلسطينية مهما بلغت شعبيتها تمرر مثل هذا الكلام.
الاستيطان والإعلان عن المشاريع الخاصة به في القدس وغيرها، هو الدليل العملي على أنه لا يوجد في إسرائيل من يريد لعملية السلام أن تنجح، فهل من ذريعة أخرى لتأجيل النظر في طلب الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية؟!