كما كان متوقعاً تسببت الأزمة السياسية بتفجير الأوضاع الأمنية في مشهد غير مسبوق ينذر بانهيار التوافقات السياسية التي كانت ترتكز عليها العملية السياسية منذ احتلال العراق وحتى الآن. فترحيل الأزمات والمشكلات السياسية مستمر منذ بدء العملية السياسية بعد الاحتلال الأميركي للعراق وحتى الوقت الراهن وتسبب في ملء خزانة الحل السياسي بأزمات لا طاقة له عليها، مما بات يهدد بانفجار كبير لن يتم السيطرة عليه.

مع انسحاب القوات الأميركية من العراق نهاية الشهر الجاري. تتزايد حدة المخاوف من أن يكون الانسحاب بداية لسلسلة من الأزمات تدفع بالعراق إلى الاقتتال الداخلي والتفتت على أساس طائفي وقومي بعد أن ساهم في تدمير مقومات بنيته التحتية الهيكلية ومؤسسات الدولة لاسيما أجهزتها الأمنية والعسكرية.

في الوقت الذي يحتاج العراق أكثر ما يحتاجه، إلى تعزيز الأمن وإثبات قدرته الذاتية على حماية نفسه، بقدراته ووعي قادته، ووحدة شعبه، كل هذا يقوم على ركيزة أساسية تتلخص بمد جسور الثقة بين السلطة والشعب، وإزالة أسباب التوتر الأهلي بعد أن مر زمن يمكن أن تبنى المصالحة عليه. فالعنف الذي شهده العراق بعد الانسحاب يخفي وراءه صراعا حتى الموت بين أجنحة السلطة العراقية

. ما يدل على أن الوجود الأميركي كان سبباً في لجم الأطراف التي لم تستطع علاج خلافاتها ولم تتجاوزها. بل تماسكت لفترة من الزمن ضاغطة على الأعصاب والزناد حتى لا يمنحوا أميركا مبرراً لتمديد وجودها العسكري في العراق. وما أن خرجت القوات الأميركية حتى أعلنت شرارة الانقسام وعودة الصراع لإعادة ترتيب الأوراق ليس في العراق فحسب بل على صعيد المنطقة ككل.

إذن، فقضية نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي قد تكون الشعرة التي قصمت ظهر البعير، والتي قد تدخل العراق في متاهات الحرب الأهلية من جديد ليدفع ثمنها العراق وشعبه دماراً وموتاً. والحل لن يكون إلا بوعي أبناء العراق ووحدتهم لكنس الاستعمار الجديد الذي بدأ يرسم خارطة العنف العراقي الملتهبة.

ولابد من استراتيجية مسؤولة تعيد رسم السياسة والقوة وترسي العدالة الاجتماعية وتتخطى التهديدات والتحديات ويتم ذلك بخارطة طريق وطنية لبناء ما دمره الاحتلال وتجسيد المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة، وخلافا لذلك فإن العراق سينزلق إلى الفوضى المسلحة والتقسيم، وربما سيكون مسرح صراع دولي وإقليمي يقوده إلى المجهول.