يدور في الأوساط العراقية الآن سؤال مهم يتمحور حول مستقبل العراق بعد الانسحاب الأميركي، وقد تباينت الإجابة عن هذا السؤال بين توقع أن يعقب هذا الانسحاب انتشار واسع لموجة العنف، وبين توقع العكس أي أن الانسحاب الأميركي سيؤدي إلى تغيير في موازين القوى لصالح العملية السياسية.
وإذا كانت هاتان الرؤيتان هما السائدتان على وفق ما يتضح من الأحداث فإن القراءة السليمة يجب أن لا تغفل ما وراء هذه الأحداث من تعقيدات، فالدور الأميركي لم ينته حقا وإن غاب ظاهريا لأن أميركا ربما تريد أن تراقب من بعيد بعد أن وجدت أن المراقبة المباشرة أبهظ كلفة وأقل دقة وأثراً، وليس ببعيد أن يأخذ الدور الأميركي شكلا آخر بعد أن تسفر القراءة الأميركية عن أهدافها الأبعد ومضامينها الأعمق، فتخلي أميركا عن بعض أوراقها لا يعني أنها قد تخلت عن كامل دورها المحدد على وفق إستراتيجيتها السياسية والعسكرية.
الأدوات التي انتدبها الاحتلال لمشروعه لم تكن في يوم من الأيام قادرة على إدارة الدولة ولن يكون ذلك لها لما تفتقده من عمق جماهيري؛ فسوء الخدمات بل انعدامها سمة مميزة لحكومات الاحتلال المتعاقبة، والفساد الإداري والمالي والصراع الطائفي يدل دلالة وثيقة على أن الانسحاب لن يغير من المعادلة شيئاً، فالولايات المتحدة لم تحقق نسبيا أهدافها لكنها نجحت في التخلص من أعباء حرب مكلفة أرهقت ميزانيتهم من دون طائل.
الشعب العراقي قادر على حكم نفسه دون اللجوء إلى الوصاية الأميركية فهو الذي تصدى لصفحات التقسيم وبيع الثروات والشحن الطائفي، وحريص على ضمان سيادته الكاملة للبلاد، والأكيد أن الحكومة العراقية التي ستكون على المحك بعد الانسحاب الأميركي لن تكون غافلة عما يمكن أن يواجهها في تلك المرحلة، ولا بد أنها تملك رؤية تمكنها من جعل الانسحاب أكثر قيمة لمستقبل العراق. كما أن القوى السياسية العراقية سواء تلك المتصدية للحكم أو المعارضة له لم تكن قد استوعبت بعد دورها السياسي ومسؤوليتها القانونية، وبالتالي فإن الانسحاب الأميركي سيكون اختبارا لمصداقية الشعارات التي كانت ترفعها هذه القوى بعد أن يجردها الواقع الجديد من أغطيتها.