تحل غداً الذكرى الأولى لقيام ثورة الياسمين في تونس، والتي توهجت شرارتها الأولى من جسد محمد البوعزيزي، الذي كان قربان الفداء على مذبح الحرية، وصرخة المظلومين المدوية ضد الظلم والتعسف والفقر والاضطهاد، تلك الصرخة التي استجابت لها آلاف، بل ملايين الحناجر في مشرق الأرض ومغربها، على امتداد أرض العرب الشامخة والعريقة بشعوبها وتاريخها المشرف، ولقد أيقظت صرخة البوعزيزي النفوس التي استسلمت، وأنارت شظايا جسده درب الأحرار العرب.
ها هي تونس تقطف ثمار تضحياتها، من خلال تجربة ديمقراطية لشعب تواق للحرية، عبر انتخابات شفافة لم يفز فيها أحدهم بالنسبة الأسطورية التي كانت تظهر في السابق، ونعني بها 99.99 في المائة من الأصوات! بل إن الانتخابات التي جرت في تونس الخضراء وتابعها العالم بأسره، توزعت فيها النسب والأصوات بصورة توازي حجم ما للأحزاب والشخصيات من ثقل في الشارع.
وإن كان البعض قد تخوف من صعود الإسلاميين في هذا البلد، الذي طبقت فيه السلطات السابقة منهجاً أظهر العلمانية وأبطن البطش والإقصاء، فإن الشعب التونسي الذي أسقط النظام السابق وكسر حاجز الخوف، هو الضامن الحقيقي والأوحد للديمقراطية والحرية التي يستحقها، ولن يستطيع حزب أو تيار أو شخصية أن يعيد عقارب الزمن إلى الوراء، مهما كان لونه أو ما يمثله، ونعتقد أن قادم الأيام والخطاب المعتدل للفائزين من إسلاميين وحلفائهم، ينبغي أن يؤخذ بحسن نية حتى يثبت العكس.
إن تونس التي صدقت قول شاعرها الشابي «إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر»، وبشعبها الذي يعتبر من أكثر الشعوب العربية تعليماً وانفتاحاً، دون تفريط في عروبته، وتمسكاً بالاعتدال دون انغلاق وتعصب، لهي قادرة على تجاوز هذه المرحلة الصعبة من البناء الديمقراطي. وعلى سياسييها وقادتها الجدد، أن يضعوا نصب أعينهم شعبهم الذي سيكون سندهم الأوحد بعد الله تعالى، وسيكون هو الحاكم والحكم عليهم، في حال حادوا عن الطريق الحر الذي يضمن للإنسان التونسي كرامته وإنسانيته. ونقول أخيراً.. كل ثورة ياسمين وأهل تونس والعرب بألف خير.