أثارت مقرّرات أول مؤتمر للإنصاف والمصالحة في ليبيا، الغبطة لأنها تعالت فوق الجراح، وتعالت على اجترار الماضي، وأسّست لمرحلة جديدة من التعاضد والبناء.

إن من المحمود التعجيل بتنفيذ برنامج الإنصاف والمصالحة، ومن المؤمل أن تترجم هذه الروح المتسامحة في قوانين العدالة، الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية، والعفو عن بعض الجرائم والعقوبات.

إن ما أفرزه مؤتمر الإنصاف والمصالحة، من حض على إنشاء جسم وطني يعنى بتحقيق هذه الغاية، وأن تقوم الحكومة الانتقالية بالعمل على التواصل المباشر والجاد مع سكان جميع المدن الليبية، والوقوف على احتياجاتهم، وتبني أُسلوب اللامركزية في تقديم الخدمات، لدليل على أن الليبيين حدّدوا مسارهم، وهو في أغلب الظن طريق قويم يحتاج منّا كل الدعم والمؤازرة.

إن هذه المفرزات تصب في ما دعونا إليه وأكدنا عليه مراراً وتكرارا، وهو ضرورة طي صفحة الماضي، ونصب ركائز المصالحة الوطنية لبناء ليبيا، ليبيا الجديدة، على ركائز متينة، تتجاوز رد الفعل، وتعمل على الخروج من قيود وأسر الماضي.

وحتى ينطلق قطار المصالحة والبناء، من الضروري تصفية خلافات الماضي واحتقاناته، حتى لا تستنزف أي جهود ليبية، في صراعات لا خاسر فيها إلا ليبيا والليبيون.

نعرف أنه لايزال أمام هذا الجزء الغالي من وطننا العربي، الكثير من التحديات، وهو ما يستوجب صياغة رؤية وطنية موحدة وشاملة للتعامل معها، بعيداً عن رواسب الماضي وعصبيات المناطق والقبائل.

إن الليبيين وهم في طريقهم لبناء الدولة المدنية الحديثة، مطالبون قبل كل شيء بنزع العسكرة، ووضع السلاح جانباً، فمرحلة القتال انتهت، وحان وقت العمل والبناء، وليس تصفية الحسابات، بل المطلوب هو تصفية القلوب.

إن معركة البناء في ليبيا ربما تكون أصعب من مهمة إزاحة نظام، كان متهالكاً، والتحدي الأبرز الآن هو: هل ينجح الليبيون في معركة البناء والتطوير والتحديث؟