انتهى القذافي وطوت ليبيا صفحة من تاريخها ظلت مفتوحة على المعاناة والإقصاء لما يزيد عن أربعة عقود من الزمن، بعد إعلان المجلس الانتقالي عن تحرير البلاد بالكامل على لسان رئيسه مصطفى عبدالجليل لينطلق هذا البلد في رحلة البحث عن الاستقرار والأمان لتبدأ معها معركة البناء والتشييد.

لقد أزاح موت القذافي عبئاً مستقبلياً ثقيلاً عن عاتق الليبيين. ونهايته المفاجئة، التي هزت المشاعر، ليست أكثر من رمز لبداية مرحلة جديدة في هذا البلد النفطي الصحراوي شمال الإفريقي. غير أنه ثمة تحديات سياسية جسيمة. فليس في ليبيا تجربة سياسية متجذرة ولا مؤسسات حكومية عاملة.

والبلد يبدأ من نقطة الصفر عملياً. إنه من الواجب الآن على قادة المرحلة الانتقالية الإعداد لانتخابات ديمقراطية وقيادة البلد والمجتمع المدني، والحفاظ في الوقت ذاته على توازنات المناطق والقبائل المتناحرة تقليدياً، بالإضافة إلى الاتجاهات السياسية المختلفة من الديمقراطيين المستوحين فكرهم من أوروبا إلى الإسلاميين. ولا يمكن لليبيا أن تحقق هذا كله وحدها بل يجب عليها أن تجد طريقها الخاص بها بنفسها، ومع ذلك عليها أيضاً التعويل على المساعدات الدولية. وينبغي لها أيضاً ألاّ تحاول تجنب قبول هذه المساعدات.

لقد أكد عبدالجليل في خطابه أهم المعاني التي لابد أن تسود بين أفراد البلد الواحد وهي: التعاون والأخوة والمحبة والتسامح ونبذ كل أشكال العنف والقتال والتناحر التي سعى النظام المنهار إلى إرسائها بين أبناء ليبيا حتى يضمن بقاءه غير أن ثورة 17 فبراير أكدت للعالم بأسره أن ليبيا بلد واحد يعمل الجميع على المشاركة في إعادة البسمة لكل أبنائه. لقد حان الوقت للتفكير جلياً في مستقبل ليبيا ووضع السلاح جانباً وأن تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي، وأن يعود الثوار إلى الحياة المدنية من بعد أن أدوا واجبهم الوطني بكل شجاعة وإقدام.

لابد اليوم من تجاوز حالة عدم الاستقرار واعتبارها سحابة عابرة، وأن يلعب الجيش جنباً إلى جنب مع مختلف أطراف المجتمع المدني والقوى السياسية من دون أن تغفل القبائل في تحقيق المصالحة الوطنية وإعادة بناء دولة ليبيا الحرة والديمقراطية. مهمة ربما تشوبها بعض التحديات في البداية ولكن بالصبر والإرادة يستطيع الشعب الذي أسقط نظاما مستبداً أن يتجاوز هذه العراقيل لتتمكن ليبيا من أن تتبوأ مكانتها الرفيعة بين الأسرة الدولية.