تستعد تونس اليوم للدخول في امتحان تاريخي وإجراء اختبار جدي للانتقال إلى نظام سياسي ديمقراطي، يكرس الحريات ويطبق الفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويعيد إنتاج بناء اقتصادي وطني يرتكز على شمولية التدخل المتوازن، والتوزيع العادل للثروات الوطنية، لتلبية المطالب والاستحقاقات الاجتماعية التي نادت بها ثورة الياسمين. فهذه الانتخابات يواجهها العديد من التحديات الداخلية، وعلى رأسها تحقيق أهداف الثورة.

وكل الأنظار حالياً متجهة نحو تونس، فمنها انطلقت الشرارة الأولى للربيع العربي، وهي أول دولة تجري انتخابات بعد الثورة. فهذا الموعد ينتظره التونسيون وغير التونسيين بكثير من الأمل والتفاؤل. وهو استحقاق تحقق بعد معاناة وإجهاد طيلة نصف قرن من مصادرة الرأي وكبت الحرية، وما كان لهذا الشعب أن يحقق هذا الاستحقاق لولا التضحيات الجسام ودماء التونسيين.

إن إتمام هذه الانتخابات في مناخ ديمقراطي وفوق التجاوزات والطعون، سيعيد الثقة في صندوق الاقتراع كآلية ديمقراطية للوصول إلى الحكم، وسيحقق أبرز أهداف الثورة، وسيجعل العالم، الذي يراقب هذا الحدث المتميز، يشهد على نشأة ديمقراطية جديدة، تتوج أولى ثورات الربيع العربي. وفي المقابل فإن حصول تجاوزات، سيكون بذرة لإجهاض الثورة وأهدافها، وخيانة لشهدائها وصانعيها ومسانديها، وانتصاراً لقوى الردة التي تريد زرع بذور الفوضى واللا أمن في تونس.

ومسؤولية الشعب صاحب السيادة، ضخمة في الحفاظ على أهداف الثورة، وفي حسن اختيار الإطار الأمثل والكفء والوطني، في المؤسسات الدستورية وكل المواقع. والأكيد أن الشعب التونسي بإرادته القوية سيكسب هذا الرهان التاريخي، عبر تطبيق الديمقراطية بشكل حضاري وشفاف، ينم عن وعي اجتماعي ووعي سياسي مشترك، يتوج بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي لصياغة دستور جديد لتونس المستقبل، تونس الديمقراطية.

والنخب السياسية المشاركة في المجلس التأسيسي، أمام امتحان حقيقي لاسترجاع ثقة المواطن التونسي في أحزابه السياسية، ولا يكون هذا إلا بالعمل المشترك، وفق برنامج مجتمعي يكون تحقيق تطلعات الشعب فيه أساس العمل، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة. لقد أثبتت ثورة تونس مدى استعداد التونسيين لبذل ما ينبغي من التضحيات لتحقيق الحرية والكرامة، وها هي الثورة تنجز خطوة كبيرة على هذا الطريق، الذي لن يكون بالتأكيد سهلاً وخالياً من المصاعب.