الجامعة العربية هي الغائب الأكبر عن الحياة السياسية العربية، حقيقة بات يلمسها القاصي والداني، وهذا الغياب لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة كانت.

لم يعد التبرير الذي يسوقه البعض من أن الجامعة هي جامعة الأنظمة العربية وليست جامعة الشعوب العربية، مقبولاً في هذا العصر الذي هو عصر الشعوب، وعصر التكتلات الكبرى.

أين الجامعة مما يحصل في دول عربية تشهد تحولات كبرى، ولماذا تحضر أدوار خارجية، سواء إقليمية أو دولية، أوروبية أو أميركية، وتغيب الجامعة العربية؟

من المؤكد أن الجامعة هي انعكاس مباشر لخارطة العلاقات العربية ــ العربية، ولكن ذلك ليس قدراً لا فكاك منه، فنحن نلمح جهوداً عربية متفرقة هنا وهناك، في هذا الملف أو ذاك، ولكن ما ينقصها هو مظلة كبرى كمظلة الجامعة العربية، التي يمكن أن تعطي وزناً لأي تحرك سياسي يخص العرب، ويزيح بشكل أو بآخر التدخلات الخارجية التي تنفذ إلى الحياة السياسية العربية من ثغرات الفراغ الناتج عن غياب الجامعة.

والأمر لا يقتصر على الحياة السياسية، بل يتجاوزها إلى جميع الملفات الأخرى التي تخص العرب، وعلى رأسها في الآونة الأخيرة مجاعة الصومال، فجميع المنظمات الدولية كانت حاضرة باستثناء الجامعة العربية التي لم تقدم أي مبادرة إنقاذية باسمها مهما كان حجمها.

وكانت النتيجة حضور بعض الدول العربية منفردة وغياب كامل للجامعة. لقد لعبت الجامعة العربية في فترات سابقة أدواراً مهمة لا تزال عالقة في الأذهان، ولعل أبرزها قوات الردع العربية في لبنان أواسط السبعينات، والتي وضعت حداً للحرب الأهلية هناك. وكان للجامعة مواقف مهمة في الملف الفلسطيني ودور في الاعتراف العالمي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني منذ الستينات.

صحيح أن الجامعة بحاجة إلى تطوير ولكنها في ظل وضعها الراهن قادرة على فعل شيء ما، وإن كان غير كاف، لا الغياب الكامل عن الحياة العربية، وعدم التقدم بأي مبادرة، وعدم اتخاذ أي قرار كما هو الحال الآن.

تستطيع الجامعة العربية الآن أن تأخذ زمام المبادرة وتقود حراكاً عربياً يخفف من وطأة التدخلات الخارجية ولن يكون ذلك إلا مدعاة ترحيب من الشعوب العربية من محيطها إلى خليجها.