لا شك في أن انسحاب قوات الاحتلال الأميركي من العراق مطلب غالبية الشعب العراقي إن لم نقل كله، وهي رغبة جميع الشعوب الحرة في الشرق والغرب. لكن الأمور لا تكون دائما بهذه البساطة، فالإدارة الأميركية كانت دائما معارضة لأي انسحاب قبل استكمال مهمة بناء جيش عراقي وحكومة عراقية شرعية، وهذه المهمة لم يتم تنفيذها بعد ولا ينتظر في القريب العاجل.

العراقيون الذين عانوا الاحتلال كثيراً، يأملون في خروج قوات الاحتلال من بلدهم كله، بعد الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وما نجم عنها من قتل واعتداءات دموية طوال السنوات الثماني الماضية. لكن في الوقت نفسه هناك قلق في ظل تزايد الانتكاسات الأمنية، وزيادة حدة الاعتداءات الدموية، وتفاقم الأزمات السياسية بين التيارات السياسية والطائفية المختلفة.

ويعتقد المراقبون في العاصمة بغداد، أن واشنطن تضغط لتمديد بقاء قواتها فترة أطول في العراق، وتلح على الجانب العراقي لتخلق أمراً واقعا تقول من خلاله إن العراق وافق على التمديد. وإذا أردنا أن نكون أكثر صراحة، فلا بد لنا من مواجهة السؤال: هل من مصلحة العراق والعراقيين حصول انسحاب أميركي في ظل الظروف الحالية؟

بعضهم يحاول تصوير أي انسحاب أميركي، ووفق أي شروط، هزيمة للمشروع الأميركي في المنطقة، لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن نغفلها، هي أن أي انسحاب أميركي قد لا يتعدى على الأرض كونه «إعادة انتشار»، نحو القواعد العسكرية التي شرعت الولايات المتحدة في إنشائها داخل العراق بما يسمح باحتلال أبدي لأرضه ومقدراته.

ومع أن الصورة لا تزال ضبابية حول انسحاب تلك القوات، مع أن جميعهم يؤكدون انسحابها في الموعد المحدد، فإننا نأمل في أن يوفق العراقيون في التوصل إلى توافق وطني وسياسي، يكفل للعراق الشقيق أمنه واستقراره، وفي الوقت ذاته يحقق له استعادة السياده الكاملة والتحرر من الوجود الأجنبي، بكل أشكاله وذرائعه، وأيا كان مصدره. فالوضع في العراق ينعكس ويؤثر في كل جيرانه في المنطقة، وفي جواره العربي بشكل خاص، وهذا يلقي عبئا إضافيا على قادة العراق وقواه السياسية، في كل ما يتخذونه من مواقف وسياسات.