تمكن المجلس الوطني الانتقالي الليبي من تحقيق الخطوة الأولى على طريق طويل شاق وصعب في بناء ليبيا الجديدة، بإقناع الأمم المتحدة والقوى الكبرى بالإفراج فوراً عن 15 مليار دولار لصالحها لإعادة إعمار ليبيا في إطار النهج الديمقراطي والمصالحة.

ومن المؤكد، أن المهام الذي ينبغي أن يضطلع بها الليبيون في هذا المنعطف التاريخي من حياتهم كثيرة، في مقدمتها التعامل مع الآثار التي خلفتها الحرب. فهناك آلاف الجرحى والأرامل والأيتام، وجروح غائرة في نفوس الليبيين، وهي جروح بحاجة لأن تندمل. وهناك ضرورة عاجلة لرفع ركام الخراب وإعادة تعمير ما دمر في القصف المتبادل بين الناتو وكتائب العقيد.

 وليست أقل من ذلك إلحاحاً، مهمة تشغيل المستشفيات وتزويدها بما تحتاجه من القوى البشرية المتخصصة والكفاءات والأدوية اللازمة لمعالجة الجرحى والمعاقين. وهناك أيضا، صيانة البنية التحتية للمدن الرئيسية، التي عانت هي الأخرى من نتائج الحرب.

ليبيا بلد حباه الله ثروات كبيرة، بموقع استراتيجي بسواحله وصحرائه، وبالعمل القائم على التخطيط الجيد، والتنفيذ الجيد في كل مجالات الحياة ستصبح ليبيا الجديدة نموذجا للديمقراطية والحكم الرشيد، ولن يكون ممكناً الانتقال السلمي نحو دولة التعددية والحرية وتداول السلطة، والعدل والقانون، دون إتاحة الفرص لحرية تدشين الأحزاب والمؤسسات السياسية وبقية مؤسسات المجتمع المدني، واحترام الرأي والرأي الآخر.

إن تحقيق ذلك يتطلب صياغة دستور جديد يأخذ بعين الاعتبار التحولات الكونية السياسية التي شهدها عصرنا، يجري إقراره من قبل الشعب الليبي عن طريق الاقتراع. لتؤسس بعد ذلك المجالس التمثيلية والنيابية، والمؤسسات المعبرة عن حاجة هذا الشعب وتطلعاته في الحرية والكرامة.

ووفاء لكل قطرة دم، ووفاء لدموع الأطفال والنساء والشيوخ التي انهمرت طوال مسيرة الثورة الشعبية لابد أن يشارك الجميع من الرجال والنساء في بناء الصرح الجديد والبناء يتطلب الفكر المنظم، والإرادة القوية، والأخلاقيات الرفيعة صدقا بالابتعاد عن لغة الانتقام وانتهاج بدلها سياسة التسامح والمصالحة الحقيقية الكفيلة بإعادة هذا البلد إلى النهج الديمقراطي السليم وجميع هذه المهمات تتطلب أموالاً طائلة، بما يتطلب تضافر جهود الأشقاء العرب للمساعدة على تأمينها.