المرحلة الجديدة التي بدأت في تاريخ ليبيا لن تكون سهلة، خصوصاً بعد الدمار الكبير الذي أصاب البلد، فإعادة بناء المؤسسات والأجهزة، وخصوصاً إعادة بناء مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية، وإعمار ما دمّر في ليبيا، تتطلب تضافر جهود جميع الليبيين بمختلف فئاتهم وتمثلاتهم السياسية. ولعلّ المرحلة الأصعب بعد الولادة الجديدة التي أعلنها انتصار الثورة، هي بناء ليبيا جديدة، تعددية وديمقراطية وتحترم حقوق الناس.
لا يعني الخلاص من القذافي ونظامه نهاية أزمات ليبيا وحلّ مشكلاتها، بل ستواجه ليبيا في المرحلة الانتقالية تحديات صعبة واستحقاقات لا تحتمل التأخير، وتستلزم بذل الجهود والعمل على حلها. ولعل أول التحديات هو إعادة بناء ليبيا بوصفها دولة وطنية تعددية، ذات مؤسسات وأجهزة حديثة وقوية، وترميم كافة البنيات التي خرّبها النظام السابق. والأهم هو التوافق على طبيعة وشكل المرحلة الانتقالية، والاتفاق على الأساسيات، وعلى مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن وحدة الثوار في ليبيا بعد الإطاحة بنظام القذافي في طرابلس، هي التحدي الأول لحركة المعارضة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية أو توافقية، يبعد شبح الانقسامات في ليبيا. فإعلان ولادة ليبيا الجديدة قادر على إفشال جميع التكهنات التي تحدثت عن تقسيم ليبيا، أو انزلاقها إلى أتون حرب أهلية، وأثبتت بطلانها وعدم تحققها، رغم محاولات واستفزازات أجهزة النظام السابق.
حيث استند تقسيم ليبيا إلى إصرار القذافي على البقاء في الحكم، فراح يطلق تهديداته بالحرب الأهلية، من خلال المراهنة على ظروف وتركيبة ليبيا الاجتماعية والتاريخية، وإمكانية إحداث شرخ بين القبائل والمناطق الجهوية. لذلك من المهم عدم الركون إلى الولاءات القبلية، وتركها تتحكم في مرحلة ما بعد القذافي، بوصفها مرجعيات تتقدم على مرجعية الدولة والأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية وسواها.
صحيح أن المرحلة المقبلة لن تكون مفروشة بالورود، وأمام المجلس الانتقالي كثير من التحديات، ولكن هذا لا يعني أن الوصول إلى الدولة المدنية ممكن دون المرور في كثير من التجارب الصعبة للوصول إلى الأمان.
والآن حان الوقت بعد نهاية نظام القذافي، لبسط التسامح والتحلي بضبط النفس للحفاظ على مكاسب الثورة، وتحقيق ولادة ليبيا الجديدة الحرة، المعلية لكرامة الإنسان وحقه في العيش مطمئناً في وطن يشرفه ويتشرف به.. وهذا هو التحدي الأكبر.