على الرغم من المحاولات الإسرائيلية للغياب «المتعمد» عن احتفالات جوبا بولادة دولة جنوب السودان، والتي حضرتها معظم دول العالم، إلا أن الحضور الإسرائيلي الخفي في آثار وتبعات هذا الحدث تبدو طاغية إذا أمعنا النظر إلى خلفيات المشهد، وذلك مع الإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وإبداء إسرائيل استعدادها لتقديم المساعدات المختلفة، تقنياً ومادياً لهذا البلد الناشئ، والذي يعد واحداً من أفقر بلدان العالم قاطبة.

ويبدو جنوب السودان استراتيجياً، وفي ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية وفي القلب منها المصرية، غاية في الأهمية للدولة العبرية، خصوصاً لجهة تشكيل أداة ضغط جديدة على مصر فيما يتعلق بحوض النيل، شريان الحياة الرئيسي لهذا البلد العربي المحوري، لمنعه من الاستقلال مستقبلاً بقراره السياسي، والذي يشكل رافعة للنهوض العربي المنشود.

ومن الناحية التكتيكية يمكن لإسرائيل في هذه الأيام أن تحاجج أيضاً بشأن عبثية موضوع إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد، مستشهدة بالحالة السودانية التي تمت باتفاق بين الطرفين، في مقارنة غير عادلة بين السودان الموحد و«إسرائيل الكبرى». ولكن، هل نلوم إسرائيل، التي أقامت علاقات سرية وعلنية منذ عقود طويلة مع الجنوبيين، وفقاً لقاعدة بن غوريون التي تقول إن على إسرائيل أن تحاصر الدول العربية من خلال الدول المحيطة ؟ أم نلوم أنفسنا كعرب ونحن نقف عاجزين عن الفعل السياسي في العمق الاستراتيجي لبلداننا المهددة، والذي ملأت فراغه الدول المحيطة بنا؟

أسئلة مؤلمة لابد من الإجابة عنها والوقوف عندها ملياً، وإلا سنشهد مزيداً من الغياب العربي عن ساحة الفعل السياسي الإقليمي والدولي، والعودة بشكل أو بآخر لحقبة الاستعمار بالمعنى الاستراتيجي للكلمة. فغياب الوزن السياسي للعرب في المنطقة يعني حضور الآخرين، وهذا لا يعني النظر لانفصال جنوب السودان بوصفه مؤامرة، بل هو حدث سياسي استراتيجي لابد من التعامل معه بواقعية سياسية، أول تعبيراتها، احتضان هذه الدولة الوليدة ودعمها بكافة أشكال الدعم الممكنة وعدم تركها لقمة سائغة للدول الطامحة إلى التمدد في مناطق الفراغ العربية.

جنوب السودان عمق استراتيجي ومصيري لمصر والسودان وإقليم البحر الأحمر برمته، ولا ينبغي التعامل معه بهذا الاستخفاف والتجاهل المريب.