نكتب عن مصر، مرة أخرى، من باب القلق على مكتسبات ثورتها. حتى نهاية الأسبوع الماضي، وطوال ستة شهور خلت سطرت الثورة المصرية صورة رائعة من التكاتف، والإصرار، رغم لمسة التحدي، المنضبط.. لكن الأمور باتت تسير نحو حقل ألغام.

البداية كانت في تعالي النبرة الطائفية وهو ما تم احتواؤه، ثم ظهرت بعض أطياف المشهد السياسي محاولة فرض أجندتها على توجهات الميادين لكنها وجدت أن الدفق الثوري أقوى منها، ثم جاءت ولادة ميدان روكسي بتوجه وشعارات مختلفة، ثم جاء التحول في المواجهات التي حدثت ليل الجمعة في الإسكندرية والسويس، ومحاولة البعض اختطاف الثورة لصالح شعارات خاصة. البعض يريد الفتنة لكن السلطة والشعب المصري أكدا أن الشعب والجيش «يد واحدة» رغم محاولة البعض الدفع نحو مواجهة بين المحتشدين في الميادين والجيش حامي البلاد، وثورتها.

والمطلوب الآن، أن يتنبّه الشرفاء من الشعب المصري العظيم بكافة أحزابه وائتلافاته إلى ما يدور حولهم، سواء من بين ظهرانيهم أو من خلف ظهورهم، من الداخل أو من الخارج، وإلى اتخاذ أعلى درجات الحيطة والحذر لإحباط كافة المحاولات التي تهدف للوقيعة بين الجيش والشعب، وهو في حال حصل، ولا أحد غير أعداء مصر يتمنى ذلك، كابوس، لا خاسر فيه إلاً مصر والمصريين.

ما يجري الآن مزايدات، ولعبة خطرة، ستحرق أصابع من يلعبونها، سواء بوعي أو بغيره. وحتى ندرأ عن مصر والمصريين خطر الانفلات لا بدّ من التفكير مراراً ومراراً في الخطوات التي تتخذ على مستوى الشارع. صحيح أن مطالب الشعب مقدسة، ولكن الدول لا يمكن أن يحكمها الشارع. فهناك مصالح وأسس وضوابط يجب أن تحترم. ويجب التعامل معها على قدر عال من المسؤولية، لا بسياسة «الهتيفة»، ولا بسياسة اجترار المطالب، وراء المطالب، حتى تصبح مصالح الناس، ومصالح البلد رهينة.

المطلوب الآن إفساح المجال للسلطات القضائية للعمل حتى يأخذ كل صاحب حق حقّه ويعاقب المخطئ، وإفساح المجال للسلطة التنفيذية لتحضير الطريق نحو انتخابات نزيهة شفافة تؤسس لسلطة تشريعية راسخة غير فاسدة، واختيار رئيس يحاسبه الشعب عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات.. هذه هي خريطة الطريق الصحيحة التي يجب الالتزام بها حتى تعبر مصر هذه المرحلة الحرجة ويصمد المثال الذي ضربه المصريون في سمو حركتهم السلمية.