يعيش اللبنانيون اليوم أوقاتاً عصيبة، صمام أمانها الحكمة، ولا شيء غير الحكمة. منذ اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في ذلك اليوم المشؤوم، والدوائر تتربّص بلبنان، الذي مرّت عليه أيام كثيرة عكّرت صفو أيام أهله، كان بعضها من الخارج، من العدو، وكان بعضها، للأسف من الداخل.

التحدي الحالي هو الأصعب، بعد سلسلة هزّات سياسية وأمنية، في ظل حالة افتراق مستعصية بين الأطراف السياسية اللبنانية، وغياب أي أفق للحوار.

الكل يتحدّث عن عدالة، ويشكك في ما لدى الآخر، والحقيقة التي هي المبتغى، باتت هدفاً للمناوشات السياسية.. وعليه، ندعو للبنانيين بتجاوز هذه المرحلة ـ الأزمة، بلا خسائر دامية. ونأمل أن تتعاطى الحكومة والحُكم في لبنان بمسؤولية، مع مفاعيل هذه المعضلة القانونية السياسية الأمنية.. بعيداً عن ردات الفعل، سواء كانت محسوبة أم غير محسوبة.

ومن المآخذ التي تسجّل على المحكمة الجنائية التي تولّت هذا الموضوع منذ العام 2005، التسريب الذي خالط عمليات التحقيق وجمع الدلائل، وهو ما دهن أعمالها مبكراً بدهان الشك.. إذ كان يفترض أن تحاط الإجراءات القانونية بمزيد من التكتّم والسرية والتحوّط، حتى لا يكون هناك أي طعن فيها وفي قراراتها، وهو، للأسف، ما كان.

ومن بين مبادئ الحكمة المطلوبة، تحاشي التصعيد الإعلامي أو الشارعي، والابتعاد عن لغة التشكيك والاتهام العشوائي، ومن المطلوب التعامل بحرص مع هذا الملف على المستوى الحكومي، منعاً لتوتير الأجواء، كما أن على التيارات السياسية تحاشي اقتحام هذا الملف الملغوم، الشائك، ذي التبعات التي تتعدى حدود لبنان.

إن احترام ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يستدعي من جميع المعنيين الترفع فوق المصالح اللحظية الآنية، وتقديم مصلحة لبنان على المدى الطويل فوق أي مصلحة.. مع ضرورة التمسك بقدسية الوصول إلى الحقيقة.

والمطلوب الآن من المحكمة الدولية، أن تلتزم بأقصى معايير الشفافية والموضوعية، وأن تسارع في كشف التفاصيل والأدلة والقرائن، حتى لا تبقى الأمور تتلاطم في بحر من الشائعات والتسريبات، وهو ما يرمي الزيت على النار.