لم يتأَكد بعدُ أَنَّ الأَمن مستقرٌّ في العراق، إِذن، بدليل استمرار التفجيرات وجرائم القتل والخطف والعنف في غير محافظة ومدينة.
ولا يُشار هنا إِلى هذه الحقيقة بسبب حوادث أَمس في الموصل وغيرها، بل لأَن توالي مثلها في الأَسابيع والشهور الماضية، بالتوازي مع إِشاعةِ كلام حكومي كثيرٍ عن استتباب الأمن وملاحقة المجموعات الإرهابية، يُؤَكدها، ولأَنَّ التأَزم السياسي الحادث في هذا البلد لا يُخفي أَنَّ التأَزم الأَمني أَيضاً ليس هيِّناً، ما يُسَوغُ الدعوةَ إِلى أَنْ يكون أَصحابُ القرار في العراق أَكثر صراحةً وأَقل دعائية في أحاديثهم عن أمنٍ وأَمان وفيرين في بلدهم.
فيما التحسُّن الذي حدث على هذا الصعيد منقوصٌ، ويحتاجُ إِلى خطواتٍ وإِجراءاتٍ ميدانيةٍ وسياسيةٍ ولوجستيةٍ غير قليلة، ليتأَكَّد تعافي العراق من سوءاتِ الإِرهاب وجرائم القتلِ الأَعمى، والتي من شأْنها تأْخير إِقلاع هذا البلد نحو ما يشتهيه أَهله من تقدم وتطورٍ وتنمية، ونحو المكانةِ التي يستحقها في محيطه العربي وفي الإقليم.
الخصومات بين مكوناتِ الطبقةِ السياسيةِ العراقيةِ على حالها، وإِنْ تمَّ التحايلُ عليها بتكاذبٍ مفضوح، ويُدلِّلُ على هذا التشخيص استعصاءُ التوافق التام على ملءِ شواغرَ وزاريةٍ وسياسيةٍ، وضعفُ الأَداءِ الرقابي للبرلمان، والتنابذُ في التصريحات الهجومية المتبادلة بين قوىً وأَحزابٍ وتشكيلاتٍ سياسية في البلد، وذلك كله في أَجواء غيرِ مرضية، أَضعفت منسوب التفاؤل الذي شاع إِبّان تشكيل الحكومة العراقية الراهنة برئاسة نوري المالكي.
بعد مماحكاتٍ طويلةٍ ومضجرة، وكان المتوقع أَنْ تأخذ هذه الخطوة العراق إِلى مشهدٍ مبشرٍ بعراقٍ مختلف، ينفضُ عن نفسِه كل ما أَلحقه به الاحتلالُ والإِرهاب ومساوئُ الماضي من تشوهاتٍ وأَوجاع، غير أَنَّ المسار بطيءٌ إِلى هذا المبتغى والمشتهى، وتعترضُه عقباتٌ كثيرة، نزدادُ تحسباً من آثارها، فيما نتطلعُ إِلى أَن يكتملَ انسحابُ القوات الأَميركية نهاية العام الحالي مع اكتمال مناعةِ مؤسساتِ العراق الوطنية، الأَمنيةِ والدفاعية.
الدعوة هنا إِلى أَنْ يتيقن المسؤولون في العراق أَنَّ بلدهم يحتاجُ منهم كلَّ حرصٍ عليه، وكل تضامنٍ فيما بينهم، وأَنَّ سعياً دائماً من جانبهم في اتجاه تعظيمِ المشترك بينهم، أَنفعُ وأَجدى من أَيِّ خصومةٍ على موقع أَوْ منصبٍ، فكل العراقيين مسؤولون عن وطنهم ورفعتِه وأَمنه وأَمانِه، وكذلك عن مستقبله، الواعد بإِذن الله.