يعود بنيامين نتانياهو إلى معزوفتِه إياها، في أحدث تصريحاتِه، من واشنطن هذه المرَّة، حين يزعمُ أن على القيادة الفلسطينية أن تختارَ بين التصالح مع حركة حماس أو السلام مع إسرائيل. ويخالُ سامع هذا الكلام أن سلاماً يتحقق، على الفلسطينيين أن يقطفوا ثماره، بدل أن يتصالحوا فيما بينهم.
والعجيبُ أنَّ صاحبَ هذا الكلام يقرنُه بالامتناع عن إقرار أولِ استحقاقٍ بديهيٍّ لإحداثِ السلام المتحدث عنه، وهو إنهاءُ إسرائيل احتلالَها للأراضي الفلسطينية التي سيطرت عليها في 1967، الأمر الذي أشهرَه الرئيس الأميركي باراك أوباما الخميس الماضي، أساساً للسلام المشتهى، ولإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.
وأمام هذا العبث، يُصبِح الكلام عن سلامٍ، أو عمليةِ سلام، مجردَ ملهاةٍ رديئة، يحسنُ بالولايات المتحدة أنْ توقفها، وأنْ تُبادر إلى خطواتٍ جديةٍ وجوهريةٍ في اتجاه التزام إسرائيل باشتراطاتِ السلام العادل، .
والتي لم يقل الجانب الفلسطيني يوماً أنه يخالفها، وهو ما لا صلةَ له أبداً بالتفاصيل الفلسطينية الداخلية، من قبيل خلافٍ يطرأ بين حركتي فتح وحماس أو مصالحةٍ تتم بينهما.
. الأَولى أَنْ يكفَّ نتانياهو عن عبثه الكلاميِّ هذا، وعن التحجُّج بالمصالحةِ الفلسطينيةِ بأنها تُعطل التفاوض والمضي في عملية السلام، فممارسات حكومته ومحاولاتها فرض حقائق على الأرض، هي من الأسبابِ البينة لتخريب هذه العملية، .
وتضييع الوقت فيها، فضلاً عن أنَّ ما يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي وطواقمه من تضليل للرأي العام الدولي، يصبُّ أيضاً في استهداف الحق الفلسطيني، وفي تمييع جهودٍ دوليةٍ تسعى إلى إعادة سكة عملية السلام إلى مسارِها، بإحياء تعزيز الأسس التي يجب أن تقوم عليها هذه العملية، .
والتي ضاعت كثيراً في متاهاتٍ غيرِ قليلةٍ، منذ ما قبل مؤتمر مدريد في 1991، مروراً بمفاوضات كامب ديفيد في العام 2000، وصولاً إلى جولات التفاوض الأخيرةِ التي قصفتها عمليات الاستيطان المحمومة في الأراضي الفلسطينية.
المصالحة بين فتح وحماس مطلبٌ فلسطيني وطني، ولا يحق لنتانياهو أنْ يدسَّ أنفه فيها، وإذا كان يستطيبُ التسلي في الكلام البائس إياه عن تخيير الرئيس محمود عباس بينها وبين عملية تفاوضٍ سقيمة، فالشعب الفلسطيني سيطلب من رئيسه المصالحة وحمايتها. ليعرف نتانياهو هذه البديهية المؤكدة، فذلك أجدى من أيِّ كلامٍ يسوقه في محافل الولايات المتحدة في هذه الأيام.