أَنْ تشيعَ نُذر كارثة غذائية في ليبيا، وأَنْ تتوالى قصص رعب فظيعة عن أَوضاعٍ غير إنسانيةٍ في مصراتة، وأَنْ يُغالب أَهل هذا البلد الفوضى منذ أَزيد من ثلاثة أَشهر، فذلك كله أَدعى إِلى النظر من أَي شأْن آخر، لدى النظام في طرابلس، والذي لا يبدو أَنَّ شيئاً يُقلقه بشأْن ليبيا ومواطنيها ومقدَّراتِها، فيما يتوهَّم أَنَّه في الحرب التي يُواصلها، يُبقي نفسَه في السلطةِ المهترئةِ.
والتي لا يبدو أَنَّها ستقوى على معاندةِ الحقائق طويلاً. لا يُرضي هذا الحال أَيَّ عربي، ويُحزننا جميعاً ما يُكابده أَهل هذا البلد الأَبرياء من مظالم، ومن استهدافاتٍ في أَجواءِ المواجهات العسكرية، تقترفها الميليشيات والكتائب التابعة لمعمر القذافي من دون حسٍّ بالمسؤولية، أَو شعورٍ أَخلاقيٍّ ووطنيٍّ وإِنساني.
طالت الأَزمة في ليبيا، وما كانت لتكون لو أَنَّ نظام طرابلس اختار منذ اللحظة الأُولى المصالحةَ مع شعبه، والإِنصات إِلى تطلعات هذا الشعب الصبور إِلى الديمقراطية والحرية والكرامة. لو أَنَّ النظام المذكور سارع إِلى شيءٍ من هذا، وبادَر إِلى الأَخذ بإِصلاحاتٍ سياسيةٍ عاجلةٍ، تشتهيها ليبيا منذ عقود، ولو أَنه لم يلجأ إِلى الحل الأَمني السقيم.
والذي يتوسلُ القتل والرصاص في مواجهة مظاهراتٍ احتجاجية سلمية، لو أَنَّ شيئاً من هذا وغيره عرفته ليبيا لما تدحرجت الأَوضاع هناك إِلى الحال الذي نرى من تأَزُّمٍ أَمني حاد، ومن مواجهاتٍ مسلحةٍ ضارية، ومن انكشافِ ليبيا أَمام تدخلات الخارج، ولما عبرت البلاد إِلى الأَوضاع المأْساوية وغير الإِنسانية التي تشهدُها، ولا يبدو أَنَّ تجاوزها يقترب.
أُفقٌ وحيد وليس غيره، يمكن به أَنْ تتعافى ليبيا من هذا الحال، فتنهض بنفسِها من وهدةِ القاع الراهن، موجزُه أَنْ يغادر النظام المستقر في باب العزيزية في طرابلس عنادَه، وأَلا يفترض أَنَّ الرهان على الوقت لصالحه.
وأَيّاً يكن الحال الميدانيُّ على الأَرض، وأَياً كان ما يتوهمه النظام المذكور من نجاحاتٍ عسكرية له، فالأَوجبُ عليه أَنْ يلحظ بوصلةَ المصلحة الوطنية العليا لبلادِه وشعبه. ونعتقد أَنَّ الوقت طال، وأَنَّ ليبيا هي التي تخسر، وأَنَّ الاستنزاف صار كبيراً في طاقاتِ شعبِها ومقدّراتِها، والسؤال الأَحوجُ إِلى الإِجابة عنه، هو: ماذا بعد؟ يطرَح السؤال نفسَه، ويتوجَّه مباشرةً إلى نظام القذافي، وحدَه دون غيره.