أَكثر من مئة يوم مضت على تكليف السيد نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، بعد مآل الأَكثرية النيابية إلى غير ما كانت عليه، والذي أَوجب استقالة الحكومة التي ترأسها السيد سعد الحريري، فأصبحت حكومة تصريف أَعمال. والبادي أَن التكتلات النيابية في الأَكثرية المستجدة لم يتوافق بعضها مع رئيس الجمهورية على حقائب وزارية، الأَمر الذي يتسبب بالتأخير الطويل، والذي لا يلمح المتابع له أَنَّ نهايته تقترب، بل ويتشاءَم مراقبون إلى حد احتمال إِعلان ميقاتي انسحابه من القصة كلها، وهو الذي كان قد انصرف عن تكتل كان فيه، وارتضى اصطفافاً آخر، واختارته الأَكثرية الجديدة للرئاسة الثالثة في البلاد.

أَياً تكن الأَسباب والذرائع لهذه المتاهة، وأَياً تكن مسوغات مواقف كل الأَطراف، وأَياً تكن مقادير الوجاهة في القول إِنَّ تأثيراتٍ وأَوضاعاً خارجية تفعل فعلها في المراوحة الماثلة بشأن تشكيل الحكومة اللبنانية، فذلك كله لا يستقيمُ والحاجة الماسَّةُ إلى أَنْ يخرج لبنان من هذه الأَزمة التي تبدو في واحدةٍ من وجوهِها مفتعلة. ونظن أَنَّ الإِرادة السياسية التي يجدر أَنْ تتحلى بها جميع التكوينات السياسية الممثلة في البرلمان، وخصوصاً قوى الأَكثرية منها، وحدها القادرةُ على تجاوز هذا الحال، وانتشال لبنان من مثل هذه المآزق المتكررة، والتي غالباً ما تتناسل من بعضها، وبكيفياتٍ مضجرةٍ أَحياناً.

إِيلاءُ لبنان الأَولوية على كل شيء، وتقديم مصالحه العليا على كل اعتباراتٍ شخصيةٍ وحزبيةٍ وطائفية، نظنهما الوجهة الأَنسب للبوصلة اللبنانية، في غضون هذا الجدال السقيم بشأْن تشكيل الحكومة المشتهاة، وفي كل وقت. وإِذا ما تخفف رجالاتٌ في مواقع النفوذ السياسي والطائفي من حب الزعامة وإيثار الخصومات على التوافقات، فذلك من شأنه أَن يساعد في إِنهاءِ هذه الملهاة التي ملَّ اللبنانيون من متابعتِها، إلى حد عدم الاكتراث كثيراً بتفاصيلها ومستجدّاتِها ومتغيراتِها، وهم يتطلعون إلى أَن تتحقق كل أَجواء الانسجام والتفاهم بين زعاماتهم، فتتشكل حكومةٌ قويةٌ ذات برامج تنهض ببلدهم، وتتولى المسؤولياتِ الملحة والعاجلة في غير شأْنٍ معيشيِّ وأَمني. وإِذ نتمنى للبنان وأَهله كل الخير، فإِننا ندعو أَهل السياسة فيه إلى الإِسراع باتجاه إِنهاء هذا الحال المقيت من الأَخذ والرد، والتوجه بشجاعةٍ نحو إِعلان حكومةٍ تلبي تطلعات اللبنانيين وأَشواقهم إلى الاستقرار والتقدم والأَمن والأَمان.