اكتملت، أَمس، ثماني سنوات على بدءِ الاحتلال الأَميركي للعراق، بعد غزوٍ معلوم المقدمات والتفاصيل، أَنهى حكماً كان قائِما لا تأْسَف عليه غالبية العراقيين، غير أَنهم ليسوا مبتهجين بالذي صار عليه بلدُهم بعد انعطافته إِلى حالٍ جديد، قوامُه الوجودُ العسكري الأجنبي، مع حياةٍ سياسيةٍ تتصِّفُ بالتعددية والانتخابات الديمقراطية.
وباستعراضِ ما شهدَه العراق في هذه السنوات، نجدُنا أَمام انكشافِ هذا البلد الحيوي أَمام تأْثيراتٍ خارجيةٍ من دولٍ مجاورةٍ وبعيدة، حتى صار توزيرُ فلانٍ أَو علان يخضعُ لمساوماتٍ بين قوىً أجنبيةٍ لها الحصّة الأَهمُّ في صناعة القرار في الداخل. وثمَّة الفلتانُ الأَمني بالتفجيراتِ والعملياتِ الإِرهابية المريعة، التي قضى فيها آلاف العراقيين المدنيين، وبلغ اقترافُها مدىً مسعوراً في مرات غير قليلة، غير أَنَّها ظلت من دون تعيينِ مرتكبيها، وإِشهارِ مسؤولياتٍ واضحةٍ عن أسباب التقصير الفادحة التي يسَّرت حدوثَها، وكانَ يُكتفى بالتأْشير إِلى أَصابع الإِرهابِ وتنظيماتِه المقيتة.
طفرةٌ محمودةٌ من التعدديةِ الحزبيةِ والسياسية، مع انتعاشٍ كبيرٍ في حريات الإِعلامِ والصحافة، في العراق الذي صار بعد إبريل 2003، والذي عرف جولات انتخابية برلمانية تأكدت نزاهتها، غير أن هذا كله لم يمنعْ اقتراف جرائمَ مستنكرة في السجون.
ولم يحل دون تناسل التأزمات السياسية في البلد، ومن ذلك عدم اكتمال المناصب الوزارية، حتى اللحظة، في الحكومة التي تشكلت بعد تدخلات إقليمية وأميركية عديدة، ومساوماتٍ ومفاوضات مملة. والمهم أَنَّ القواعد الديمقراطية الأولى، والتي يُؤْخذُ بها بداهةً بحسبِ نتائِج الانتخابات، لم يتم الاحتكامُ إِليها بالقدرِ المطلوب، والذي من شأْنِه استقرار التوازن بين سلطةٍ ومعارضة، بين حكمٍ يأْخذُ شرعيَّته في مزاولةِ الإِدارة والتسيير، ومراقبةٍ برلمانيةٍ يقظةٍ تنهض بمسؤولياتِ المحاسبة والتشريع البديهية.
تُعلنُ الولايات المتحدة جداولَ زمنيةً لإِنهاءِ وجودِها العسكري في العراق، وتُحاول المؤسسات العسكريةُ الوطنيةُ في هذا البلد أَنْ تكون بمقدار الأَهلية، لتتحمل أَعباءَ مسؤولياتِها في حمايةِ البلدِ ومواطنيه، وتأْمين الاستقرار ورعاية دولة القانون. وآمالُنا، نحنُ العرب، إذ نحبُّ الخيرَ للعراق، أَنْ ينتشله أهله من مهاوي الرداءَة الكثيرة، فينهض بلداً كبيراً في دورِه في محيطه العربي، وفي عطاءِ شعبِه لأُمته. ونظنُّ أَنَّ في وسع العراقيين أَنْ يبادروا إلى هذا كله، إذا راجعوا تجربتَهم المريرة طوال عقود، ومنها السنوات الثماني الماضية.