يتوازى التهديدُ الذي تشيعه العصابة الحاكمة في إسرائيل بشنِّ عدوانٍ واسعٍ على قطاع غزة مع زخمٍ استجدَّ في الجهودِ الساعية إلى تحقيق المصالحة الفلسطينية. وأَول القول في هذا إِن انجاز هذا الأمر المشتهى، وإِنهاء الانقسام السياسي والجغرافي بين جناحي الوطن الفلسطيني، لا يجوز، في مطلق الأَحوال، أَن يفرضْهما تهديدٌ إسرائيليٌّ جديدٌ فقط، بل هو واجبٌ مؤَكَّدٌ، ومصلحة وطنية عليا للشعب الفلسطيني. وإِذ يقترب الانقسام من إِكمال عامه الرابع، فذلك أَدعى إلى الشعورِ بالخجل والعيب. ولأَن المقام هنا ليس ملامةَ أحد، بل للتأْكيد، للمرة المليون ربما، بأن موجبات إنهاء هذا الحال قائِمةٌ دائِماً، فالشذوذُ لا ينبغي التسليم به، وكأَنَّه قضاءٌ وقدر، وبأَنَّ أَهل «فتح» و«حماس» في رام الله وغزة مدعوون جميعاً إلى الكف عن اختلاق أي أسباب للشقاق والتباعد، وعدم افتعال ما يعيد محاولات الوصول إلى المصالحة إلى المربعات السقيمة والمقيتة إِياها، أَيا كانت مسوغاتها.

تعلنُ إسرائيل، وعلى أَسماع العالم كله، أَنها تُهيِّئُ لعدوانٍ عسكريٍّ على قطاع غزة، متذرعةً بإِطلاقِ فصائل مقاومةٍ فلسطينيةٍ صواريخ، لا تُحدِث أَثراً غير الترويع العابر، ولا يستحي ساسةُ إسرائيل ومجرمو الحرب فيها في ادعائِهم بأَن دافعها في شنِّ عملياتها الحربية غير المستبعدة ضد سكان القطاع حقُّها في الدفاع عن النفس. ولأَن مثل هذا الزعم ليس مستجدَّا، ولأَن إِحدى وسائل صمود الفلسطينيين ومقاومتهم كل عدوان إسرائيلي هو توافقهم ووحدتهم، فإِن الذهابَ بشجاعةٍ نحو إِقفال ملف الانقسام المعيب، والبدء فوراً بإِعادة ترتيب البيت الفلسطيني، يُيسر للشعب مقادير من التحصن الواجب في مواجهة العدوان المتوقع، وغيره من اعتداءاتٍ غير مستبعدة في غيرِ مطرحٍ في الوطن المحتل. لا يقال هذا الكلام هنا من بابِ الإِنشاءِ والوعظ المرتجلين، بل هي دماءُ الشهداء الذين سقطوا في اليومين الماضيين في قطاع غزة، ودماءُ من سبقوهم ممن استسهل الرصاص الإسرائيلي التصويبَ عليهم، لمعرفة الاحتلال بأَنَّ الضعف الفلسطيني مقروناً بالانقسام والتنابذ لن ييسر رداً على هذه الاعتداءات المتوالية واليومية.

هي وقائعُ تتراكم، إِذن، في المشهدِ الفلسطينيِّ المخضبِ بدماءِ الشهداء تُؤكد المؤَكد، وتُذكِّر بالبديهي، وموجزُهُ أَنَّ الانقسام الفلسطيني طالَ إلى حدٍّ لم يعدْ محتملا، وأنَّ المصالحة الوطنية شديدة الوجوبِ في كل وقت، هل من يسمع؟