المناخات التي باتت تسيطر على الجُمَع العربية، رغم أنها سلسلة متواصلة من الحركات الشعبية منذ أسابيع، تؤكد أن ريح التغيير، أو بالأحرى الرحيل (ديكاج، بلغة أهل تونس الذين صدّروا الياسمين إلى العالم العربي) لا تزال تحتفظ بزخمها، والأهم امتلاكها سلطة الرقابة على القيادات الجديدة التي تسلمت قيادة البلاد (في تونس ثم مصر)، بعد رحيل النظم القديمة المغضوب عليها.

وما يجري في ميدانَيْ القصبة والتحرير في كل من تونس والقاهرة، يؤشّر إلى ولادة نوع جديد من الرقابة هدفه الحؤول دون الالتفاف على مكتسبات الثورة والتغيير.. ولهذا عاد إلى تونس شعار: «ديكاج»، وإلى مصر شعار: «الشعب يريد إسقاط باقي النظام». والهدف الضغط على ما يرونه تراخياً في مسيرة تحقيق منجزات الثورة التي قامت، وأقامت نظاماً جديداً.. له قوانينه وضوابطه ونبضه، وقد لا يتلاقى في أحايين كثيرة وفي منعطفات عدة وفي التعامل مع ملفات مختلفة، مع تفكير القيادات الجديدة ـ القديمة التي اضطلعت بمهمة إدارة المرحلة الانتقالية، والتي يرى كثير من أبناء الثورات أنها تسير ببطء، وينظر إليها كثيرون آخرون بارتياب، وهنا الفجوة التي تهدد بعدم وصول التغيير الذي حصل، إلى مرفأ الإنجاز والتمكين والاستقرار المنشود.

والاستقرار هو ما يعنينا في كل شأن عربي. فمبغوضٌ التعدي على الأملاك العامة، والتقصّد في تعطيل دورة العمل والإنتاج، وتعمّد طرح مطالب مبالغ فيها، لا لشيء إلا للضغط والابتزاز.

وهنا لا بد من التأكيد على متلازمة الشعار: «الشعب يريد»، فالشعب يريد الحرية، ويريد الديمقراطية، ويريد الفرص الاقتصادية.. ولكن الشعب أيضاً، من خرج في الاحتجاجات ومن لم يفعل، يريد الأمان، ويريد العمل، ويريد الحفاظ على المقدّرات الوطنية القومية، التي يفترض أنها ملك لكل الشعب، لا لنظام سابق أو آت لتستباح في أي احتجاج، ويريد الحفاظ على دماء أبناء الوطن.

وكما هو خطرٌ انفصال القيادة السياسية عن الواقع، فإن انفصال الدفق الشعبي عن هذا الواقع أو محاولة الالتفاف عليه، قد لا يؤتي الثمار المتوخاة.

وكما كان إسقاط الفساد أحد الشعارات وفتيل اندلاع الثورات، مرفوضاً ممجوجاً منبوذاً، فإن الإفساد والتخريب أدعى للثورة ولأن يقول له الشعب: ارحل (ديكاج).