تمتع إسرائيل بالقوة والسطوة، والتأثير الذي يمكن وصفه بـ«المغناطيسي» على الدول العظمى، أو على الأقل الغربية منها، أمر لا يحتاج إلى حديث جديد، فالشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى. ولكن أن يصل هذا التأثير على موقع تفاعلي كوني، يفترض أن يكون ملكية عامة، كونية، فهو أمر غير مفهوم!
هذا ما حدث فعلاً مع موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي، الذي يعزو له كثيرون الفضل الأكبر في موجة الانتفاضات العربية.. ولكنّ مفجّر حركة التغيير العربية لم يستطع الصمود أمام عدم رضى إسرائيل، وأمام تهمة معاداة السامية.. فكانت الضحية صفحة، مجرد صفحة، تحمل اسم «انتفاضة فلسطينية ثالثة»، والتهمة الجاهزة، هي: «تحريضها على العنف».
الموقع المذكور كان صفحة افتراضية. وعلى افتراض أن الفلسطينيين، الذين تقطّعت أوصالهم بالحصار الاقتصادي، وبالانقسام، وبضياع بوصلة الهدف السياسي، سيخرجون في مايو المقبل إلى الشوارع لمواجهة المحتل، فإنها مجرد دعوة افتراضية.. ولكنها تخيف الاحتلال المسكون بهاجس شمشون الجبار الذي قد يقوم من سباته ويثور.
الأمر غير مستغرب، فإسرائيل بما تملك من أدوات تأثير وضغط، كانت على الدوام قادرة على فرض رأيها، ووأد أي رأي آخر حتى لو كان مصدره قوة عظمى، أو مجلس أمن، وهناك في الجعبة أكثر من 250 قراراً «سفك حبرها»، كما يسفك الدم العربي كل يوم تقريباً في القرى والبلدات الفلسطينية وما حدّها من أراض عربية.
ولكن، النقطة الإيجابية في هذا الهجوم الإسرائيلي على صفحة الفيسبوك المذكورة، تتمثّل في مقدار الهشاشة التي يعانيها هذا الكيان، ما يجعله يوجه كل الإمكانات واللوبيات للضغط على شركة تكنولوجيا معلومات، لإلغاء صفحة تفاعلية افتراضية، خشية تحولها إلى واقع مخيف إذا ما لاقت التجاوب الشعبي المطلوب، في ظل طغيان حالة التأثير والتأثر التي تجتاح أصقاع الوطن العربي متأثراً بـ«الياسمين» الذي فاح من تونس وتمدّد.. ولكنه إن وصل إلى الأراضي الفلسطينية فلن يكون سلمياً، وإسرائيل أعرف العارفين بذلك. لذلك كانت الحرب الاستباقية، ولو على صفحة شبكية في العالم الافتراضي.