بما أن الأزمة اليمنية انتقلت من الميادين إلى طاولة التفاوض، فعلى الفرقاء إدراك أهمية اللجوء إلى الحكمة. بدلاً عن التحشيد والتحشيد المضاد في ساحات المدن والتمترس في المواقف، يتطلب الحوار قدراً غير قليل من المرونة.

من المهم الإقبال على التسوية السلمية المستهدفة بروح تنأى عن روح الغالب والمغلوب، بحيث تضع الأطراف المعنية تغليب مصلحة الوطن والشعب على مكاسبها.

اليمنيون يدركون أكثر من غيرهم مخاطر بقاء الأزمة في دائرة التصعيد المتبادل واستعراض القوى. من الواضح أنه ما من طرف يملك عدة استنزاف الطرف الآخر حد تركيعه كما انه ما من طرف يملك عتاد كسب المعركة في وقت وشيك.

بالإضافة إلى تعطل مصالح الشعب، فإن الوطن غير آمن من مغامرات تضرب أهداف المعارضة وإنجازات النظام. الأفضل لجميع الفرقاء اختزال زمن الأزمة بغية سد الثغرات أمام المغامرات التي تتربص باليمن سواء من الداخل أو تلك الداخلية المتقاطعة مع أطراف خارجية.

استقرار اليمن ليس مطلباً قطرياً فقط، بل هو في الوقت نفسه شرط إقليمي يهم الوطن العربي على نحو عام وشبه الجزيرة العربية بشكل خاص. كل هؤلاء يدركون أن ما يحدث في اليمن ليس صراعاً محضاً على السلطة، بل ينطوي على آمال وتطلعات شعبية مشروعة.

من هنا لا ينبغي أن يحتبس الحديث على طاولة التفاوض داخل آلية انتقال السلطة وحدها، بل من المهم في الوقت نفسه استكشاف صيغة تلبي شروط الاستقرار على الصعيد الوطني. لدى اليمنيين في تجربتهم الأخيرة ما يعينهم على تحقيق تلك الشروط بما انطوت عليه تجربتهم الأخيرة من حيث تجاوز مأزق القبلية واستبعاد استخدام السلاح. صحيح ثمّة بقع سوداء في التجربة اليمنية غير أنها ليست واسعة بحيث تجنح بهم إلى الثأر، كما أنها ليست قاتمة على نحو تحجب الحكمة اليمانية.

هذا ما يجعلنا نراهن على إمكانية ترقب أخبار يمنية سعيدة. هذا الرهان يستند إلى دفع آليات الحوار وليس النكوص عن طاولة التفاوض.