بينما مازالت جهود تشكيل حكومة نجيب ميقاتي تراوح مكانها فان فئة من اللبنانيين تظاهروا لكن بنكهة خاصة، ويبدو أننا سنشهد في ظل هذا الخضم من الثورات التي تضرب بأطنابها في أكثر من مكان ثورة لها أجندة مختلفة عن ما سواها، وقد نجد في المطالب المطروحة على الساحة شيئا من المبالغة أو تعديا للخطوط الحمراء لكن في حالة بلاد الأرز فإن المتظاهرين يرفعون شعارات تعبر عن مكنون كل نفس غيورة على هذا البلد وتريد له الخير والاستقرار الدائم وتتمنى ديمومة السلم الأهلي، وكفاه حربا وكفى زعماءه احترابا والضحية على مدار السنين شعب لا يكاد يهدأ حتى يقف مرة أخرى على حافة الهاوية في متوالية تستدعي الكثير من الدهشة والبحث عن الطمأنينة لهذا الوطن الجميل.

لقد تظاهر المئات من اللبنانيين في العاصمة بيروت ضد النظام السياسي الطائفي الذي يدير علاقات الحكم في هذه البلاد المتوزعة بين ديانات ومذاهب سرعان ما تتحول إلى مشاجب تعلق عليها خلافات الأحزاب وأطماع البعض من الداخل أو الخارج، وعندها لا فرق إن تحولت تلك الصراعات الكلامية إلى متاريس والمشاجب إلى مقاصل لا تحمل هوية غير سفك الدماء في لحظة تطيش فيها العقول وتتغلب فيها أهواء الغضب والرغبة في كسر عظم الآخر على ما سواها من هموم ليس أولها حاجات الناس إلى تنمية شاملة تصلح ما تهدم فيما مضى، كما أن ليس آخرها إسرائيل ذلك العدو الذي يراقب الأوضاع عن كثب ولا يقصر عن الانقضاض إذا ما سنحت الفرصة.

لقد تغلغلت الطائفية السياسية في لبنان حتى باتت تسد الأفق ولاثمة مجال لطرح صيغ أخرى لتداول السلطة بين الفرقاء إلا من خلال هذا النفق الذي أثبتت التجربة ومتواليات الأيام الماضية أنها لا تضمن سلما وتخلق تهدئة دائمة، ولذا فانه من منطق الأشياء أن يتنادى الشعب بحثا عن مخرج وقرعا للأجراس لعلها تجد آذانا صاغية من قبل رؤساء الأحزاب وجملة المفكرين والمثقفين والمسارعة إلى استثمار الحالة العربية والدولية وإيجاد مشاريع وطنية تجمع كل الأطياف على توافق هدفه الأول والأخير ضمان السلام في لبنان وبين أهله.