عندما تحض السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس دولاً في الشرق الأوسط البدء في إجراء إصلاحات، فإن ذلك يعني في احد وجوهه أن واشنطن تبحث عن مصالحها المحضة في المنطقة، وذلك من خلال المطالبة بإحداث تغييرات في المنطقة في اتجاه الديمقراطية التي تضمن تهدئة الشعوب، وتعني ضمن ما تعنيه إعادة مظلة الاستقرار بعد كل هذه التحولات التي خلطت الأوراق مع بداية العام 2011 والى يومنا هذا والى ما شاء الله. ونعلم يقينا أن هذا التوجه من قبل مؤسسات القرار في الولايات المتحدة لم يأت نتيجة لحب دافئ للأنظمة ولا للشعوب بل المسألة في جزء منها هي مزايدة على الواقع المتصاعد وركوبا للموجة في أوانها المناسب، وتجنبا لردات فعل الشعوب على مواقف تصنف في إطار التخاذل عن نصرة الحرية من قبل الدولة المتشدقة بهذا المبدأ والمدافعة عنه في خطاباتها الإعلامية.
واشنطن الآن ومن خلال مراكز الدراسات وجهات التخطيط ومؤسسات الأمن القومي تحاول أن تتلمس المستقبل في علاقاتها مع القوى الصاعدة ومع هذا الكم الهائل من الحراك والتفاعل، وهي معنية بالنتائج بشكل أساسي، وأما الشعارات والتنظير الذي قد يمارسه البعض فهو ابعد ما يكون عن القوة العظمى إلا من خلال مدى تأثيره على نفوذها وما يمكن أن يمثله من تهديد محتمل على الموقف السياسي والاقتصادي والعسكري.
إن الاستئناس بالرؤية الأميركية فيما يخص دعواتها إلى المزيد من الشفافية بين قيادات المنطقة وشعوبها وتعزيز صور المشاركة إنما يستمد أسبابه من ضرورة استشراف المقبل من المتغيرات وفقا لما وقع في الحاضر الملموس، وليس كافيا بعد الآن التعامل مع مقتضيات المرحلة بأساليب الراكنين إلى الدعة في زمن الضجيج، وليس ثمة مجال إلى التبسيط و تسطيح الظواهر التي قد تأخذ أشكالا عديدة، لكنها جميعا تشير إلى ضرورة اليقظة والابتعاد عن تهميش المهم من القضايا التي تؤثر مباشرة على المنطقة.
وعلى المدى المنظور يظهر الارتباك الأميركي جليا في ردات الأفعال حينا والفاترة أحيانا أخرى، بل والهزيلة في بعض منها، لكن من المؤكد أن الاستراتيجيات البعيدة المدى والتكتيكات المرحلية لواشنطن تسعى إلى احتواء المتغيرات والتعامل معها وفقا للجديد من المقتضيات.