كنا دوما نردد أن العالم من حولنا يمر بتحولات سريعة وان التقدم المذهل في وسائل الاتصال جعل المتغيرات مفروضة على الواقع في حين أن العالم العربي ظهر في لحظة وكأنه بعيد تماما عن التغيير وان كل ما يعتلج البسيطة من تقلبات هي ابعد ما تكون عن هذه الجغرافيا المكتنزة بالعديد من الظواهر السلبية والتخلف في مسيرة التنمية البشرية، وباستثناء بضعا من العواصم التي استطاعت أن تتجاوز هذه الحالة العامة من خلال تبنيها مناهج اقتصادية معاصرة فلا تكاد أن تسمع همسا في باقي المساحات.

فجأة وبلا مقدمات يمكن التعويل عليها أضحى العالم العربي شاغل الدنيا وحديث الناس وأصبح من الصعوبة بمكانة ملاحقة هذا التدفق الإخباري القادم من أكثر من منطقة عربية حتى بات الفهم عصيا، واستدراك هذا الطرق المتلاحق على الثابت من شأن الحياة العربية على مدار عقود من الزمان في حاجة إلى بعد نظر وسبر فكر وعصف ذهن في كل هذا الحراك الممتد من المحيط إلى الخليج، ووفقا للثابت والمتحول فان البحث في هذا الاتجاه يذهب بعيدا في دراسة الحالة الكلية، ومن اجل الوقوف على تخوم الحقيقة ونواحي الصواب والخطأ فهناك ثمة حاجة إلى فراغ زمني يسمح لتكثيف كل هذه المشاهد التي تترى تباعا وهي متنوعة نصرا وهزيمة وفرحا وانتكاسة حسب الزاوية التي يقف عندها الرائي.

حتى الآن ما حدث من إسقاط الرؤساء والأنظمة في بعض من الدول العربية وما نراه ونسمعه في ليبيا من سفك للدماء تنفطر له الأكباد وتدمع مع صوره الأعين، لهو في غاية الوضوح بأننا فقدنا بوصلة العبور الآمن إلى الضفة الأخرى من التاريخ، ويبدو أن الوصول إلى اطمئنان المستقبل الذي تريده الشعوب صار مكلفا جدا مع فاتورة الدم المدفوعة على مرأى ومسمع العالم، وان الغد بكل سمينه المأمول أو حتى غثه المتوقع إنما هو على مفترق طرق بين قطاع يأبى الاعتراف بأن التغيير قادم لا محالة، وبين المتأملين بروعة المقبل من الأيام ولو على أثقال من الألم.