التاريخ سيكتب بمداد من ذهب هذا التحول السلمي للسلطة في أرض الكنانة مصر العروبة، وهو بحق، شاء من شاء وأبى من أبى، إنجاز حضاري بكل المقاييس، ولا يستطيع القيام به إلا المخلصون، سواء كانوا في سدة المسؤولية السياسية أو كانوا شعبا وجيشا، وامتلك الجميع توافقا دون اجتماع أو اتفاق مسبق، على الحفاظ على مكتسبات الوطن من خلال حكمة التصرف، بما منع خروج الوضع عن السيطرة ووقوع ما لا تحمد عقباه، ومن ثم كانت التأكيدات والممارسات على مستوى عال من ضبط النفس وضبط للجموع، عن التمادي في التعبير بما يسبب وقوع أشكال من العنف الذي يخرج بالحدث عن أهدافه ومطالبه، ولا يحقق أهداف هذا التحرك الشعبي الكبير.

هناك من حاول أن يحدث فجوة في الجدار الصلب الذي بنته الخوالي من أيام مصر التي نعرفها جميعا، وظن نفر ممن طاشت عقولهم أنهم بهذه التصرفات الحمقاء قد يثيرون فتنة تخلط الأوراق وتفقد المتغيرات وهجها المتصاعد، لكن هيهات أن يقدروا على ما أضمرت نفوسهم من سواد. وهنا نسجل للقوات المسلحة المصرية قدم السبق في التصدي للعابثين، وكان للجنود ومن قبلهم قادتهم الكلمة الفصل في وضع الأمور في نصابها، وبمسؤولية عالية المستوى جنبت الجميع سوء العواقب في ظرف زمني بالغ الحرج.

لقد راهن البعض على تحويل رغبة التغيير إلى صدام بين الأهل، وإلى مواجهة بين الشعب وجيشه، وإلى إخراج الجماهير من طوق الاعتراض المدني والتوجه السلمي، إلى التكسير والعنف. وهنا ظهر الوعي جليا في الكثير من مظاهر التصرف التي رآها العالم أجمع، حيث تحمل الجميع الأمانة وكانوا أكبر من الصغائر، ولم يلتفتوا إلا لصوت العقل، ولم يستطع أصحاب الأهواء والأغراض أن يتسربوا أو يحولوا مجريات الحدث.. فحب مصر والتفاني من أجلها كانا أكبر من كل النوايا السيئة.

تحية إجلال وتقدير نسجلها للقوات المسلحة المصرية على حسن تصرفها ووقوفها على مسافة مناسبة مما كان يموج، سواء في ميدان التحرير أو على مستوى الحكم، وهذه الحكمة في التصرف والإدارة تستوجب الكثير من التوقف والدراسة، لما تحمله في طياتها من استدراكات ومن نتائج كانت خيرا على مصر ويسرا على أهلها الطيبين.