نحسب أن انفصال الجنوب لن يكون بداية للاستقرار السياسي في السودان وان التهليل بالدولة الجارة الجديدة من قبل حكومة الخرطوم ما هو إلا وداع لأزمة مزمنة استنزفت مقدرات هذا البلد العربي طوال عقود من ماضيات السنين، لكن هذا الانجاز ليس نهاية المطاف فهناك الكثير من استحقاقات المرحلة التي يجب الإشارة إليها والتنبه لها والتعامل معها بمستوى عال من الجدية والاهتمام.

في الوقت الذي أصدر فيه الرئيس عمر حسن البشير مرسوماً قبل فيه رسمياً نتيجة الاستفتاء معترفاً بالوليدة في خاصرة الوطن العربي بنتيجة تصويت قاربت ‬99 في المئة، فإن الشمال على موعد مع كثافة من الهموم لا تخفيها الابتسامات أمام الكاميرات ولا يمكنها أن تمنع وقوع المحظور، وهذا يقين تقتضيه ضرورات التحول الذي وان بدا التفاعل معه هادئاً شعبياً وحزبياً وفقاً لقناعة جمعية بأن الجنوب صداع مزمن وان التخلص منه عافية، لكن وراء الأكمة الكثير مما يمكن أن يشهد تفعيلاً يستوجب التعامل معه بجدية.

لعل المظاهرة التي قادها الطلبة الشباب في العاصمة الخرطوم الأسبوع الماضي وتعامل معها الأمن بالعصي واستطاع أن يفرقها قبل أن تتحول إلى أكثر من ذلك في هذا الزمن العربي «الثائر» دلالة بالغة على ان «سلة العرب» في حاجة ماسة إلى إحداث تغيير والى القفز فوق الواقع الراهن، وعلى المؤتمر الوطني الحاكم أن يبادر إلى تلقي المستقبل قبل أن يداهمه الوقت وجديد الأمور، ولامناص من الاقتناع الجبري لا الاختياري بأن تكريس الثابت من السياسات وعدم الالتفات إلى هذا الهدير إنما هو عين العجز عن مسايرة الأحداث وإعطائها حقها في التمحيص وسرد النتائج.

نحن لا نتمنى للسودان إلا كل اطمئنان واستقرار وتهدئة بين كافة أطيافه وتوافق مع كل أطرافه وحسن مجاورة مع الجار الجديد، وإذا كان ثمة تحذير فإنه جاء نتيجة لقلق يتسرب إلى الأفئدة والعقول من ما يخطط له الآخرون وفقاً لنقاط الضعف الناتجة عن ضبابية الأداء أحياناً وعن غياب ردود الفعل المناسبة تجاه ما يقع من أحداث، ومن ثم وجب التنبيه لعلها تلاقي آذاناً صاغية ويقظة يستوجبها ما نرى ونسمع.