عندما تقرأ الدور الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية في لج الأزمات التي تمر في المنطقة، فإن هناك عددا من المحاور في حاجة إلى الاستجلاء والتحليل، من أجل الوقوف مرة أخرى على ثوابت سياسة واشنطن ومتغيراتها، فالمفارقات ملفتة في هذه السياسة التي لها أكثر من صيغة وتكاد تصل حد الفجاءة في تحولها في بعض الأحيان.. والذهاب نحو الأعمق في دراسة الحالة الأميركية تجاه الإشكالات التي يعيشها الحراك العربي، إن كان تململا أو في حالة تصعيد، أو ذهبنا إلى مدى أوسع من ذلك في الاضطرابات والقلاقل، ودائما يجب على المتابع لهذه السياسة أن يضعها في إطارها العام، قبل أن يحكم على جزء منها، خاصة في زمن الألوان الفاقعة مثلما يحدث الآن في عدد من الدول.

بالأمس أشارت وزيرة الدبلوماسية الأميركية هيلاري كلينتون، إلى الأوضاع السياسية التي تشهدها مصر وبضع من الدول العربية، وحسب الصحيفة الإسبانية «إيه.بي.سي» فإنه وفقا لكلمات كلينتون: «هناك «عاصفة هوجاء» تعصف بالعالم العربي، وهذا الوصف ينطبق تماما على مصر التي تعتبر أهم حليف للولايات المتحدة في المنطقة! وإذا ما أردنا التوقف أمام هذا الوصف لما نمر به حاليا من تحولات ومن متغيرات متلاحقة، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن يتعلق أساسا بمحاولة استكشاف رؤية إدارة البيت الأبيض لكل هذا الضجيج، على أساس من رصد أقوالها وأفعالها وتحركها في هذا الوقت الحرج. وبالطبع هناك ما لا نراه من سعي تبذله القوة الأولى في العالم، لكي تكون هي في واجهة الأحداث، ليس حبا في الشهرة ولا في من أجل استعراض العضلات، بل هو استباق للأحداث واستدراك لما يمكن وقوعه من نتائج، بحيث تتغير أجندات التكتيكات من أجل تحقيق حزمة الأهداف الاستراتيجية الثابتة، والتي لم تتغير كثيرا منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة.

لعل نعت «العاصفة الهوجاء» يذكرنا بما روجت له الدبلوماسية الأميركية بعد احتلال العراق، حيث سمعنا حينها عن «الفوضى الخلاقة»، ولم يكن ثمة تفسير مقنع لمراد هذا التنظير، ويبدو أننا اليوم ووفقا للمشهد الصارخ الذي نراه، نستطيع أن نتلمس شيئا من المعاني التي أرادتها تلك «الفوضى الخلاقة»، معترفين بأسبقية واشنطن في ما ذهبت إليه.