حدث ما كان متوقعا في لبنان فهذا العنت والعناد الذي أظهره بعض من زعمائه جعل الجميع يقفون على فوهة البركان مع سبق الإصرار والترصد، وها هو البركان بدأ يتململ نافثا لهيبه من خلال هذه المواجهات التي تتسارع وهي لا هوادة فيها تحت هذا الضغط الهائل المتمثل في التصريحات الاستفزازية المتبادلة بين الفرقاء التي لم تتورع في إلقاء الاتهامات جزافا على الجهة الأخرى ومن ثم انعكاس كل هذا الهرج والمرج على الشارع اللبناني، وهنا لا مجال لإلقاء اللوم على طرف دون آخر ما دام التهديد وصل إلى السلم الأهلي في هذه البقعة الصغيرة المتميزة بفسيفساء من الطائفية الحادة في تمترسها.
ومادامت عقدة التاريخ وحسبة الجغرافيا قائمة، فهذا القطر العربي معرض دائما للاهتزازات التي لا يمكن احتواؤها إذا ما وجدت السبيل وهُيئت لها الضرام لكي تأخذ طريقها إلى التصعيد، ومن ثم لا يمكن حينها التفريق بين التظاهر السلمي وبين الفلتان الأمني في أبشع صوره، وهي كرة متسارعة لكنها في الحالة اللبنانية ليست من ثلج بل هي من نار ووقود يزيدها اورا واشتعالاً.
الحكمة ثم الحكمة ثم الحكمة ولا غيرها قادرة على تهدئة النفوس المتأججة في هذه اللحظة الحاسمة بين حاضر الوطن وبين مستقبله، وإلا فالقادم اخطر وعناصر الحكم تقع عليها المسؤولية الأكبر خاصة أولئك الذين يتكئون على المذهب في طرحهم وبرامجهم، ومن ثم فأمانة لبنان وأهله تقع على عاتق الجميع لا فرق بين معارضة وموالاة ولا بين 14 آذار و8 آذار، وليعلم المتفرجون على المشهد بابتسامة خبيثة أن الرياح السموم إذا هبت فإنها لن ترحم أحدا، والحريق إذا ما وقع وامتد فإنه سينال الجميع.
أيها اللبنانيون شعبا وأحزابا حذار من الانزلاق إلى هاوية الحرب الأهلية مرة أخرى، وإياكم أن تصغوا إلى دعوات الفتنة وردوا عليها بمزيد من التصميم على التمسك بالحوار والتوافق من خلال المؤسسات سبيلا للخروج من الأزمة، واجعلوا الحفاظ على الأمن على رأس الأولويات وبالبعد عن التحزب الأعمى والانسياق وراء الطامعين والمرجفين تستطيعون أن تسلموا بوطن الأرز الجميل، وتعبروا هذه المرحلة الحرجة إلى بر الاستقرار والسلام.