تعيش تونس هذه الأيام ظرفاً استثنائياً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فذهاب زين العابدين بن علي عن سدة الرئاسة، ليس آخر المطاف في خضم من الأحداث التي تتالى في هذا البلد العربي الشقيق، واللحظة بلا شك فاصلة بين البحث عن المستقبل، وبين الاطمئنان على الخطوة القادمة في واقع لا أحد يجزم بما يمكن أن يقع فيه بين لحظة وأخرى. ومع قدرة الجيش على احتواء الموقف الجديد، فإن الحكومة المؤقتة تحاول أن تسير الأمور، لكن هيهات أن تستطيع نشر التهدئة في ربوع الخضراء، على الأقل في المدى المنظور، وفي ظل تبلور بعض عناصر المشهد السياسي وانبعاثها، إن في صورتها الحزبية أو حتى في حراكها الميداني.

الهواجس من القادم تظل مشروعة، ما دام هذا الغموض يمد أشرعته ويترك المجال واسعاً لكثير من الاحتمالات، التي تتراوح بين المضي إلى إعادة دولة المؤسسات وفقاً لنسق ديمقراطي يطالب به الشعب، وبين الساعين إلى القبض على مكتسبات الراهن ولو بالقفز على ما تتالى، بدءاً من «سيدي بوزيد» وحتى الراهن من الأخبار التي نسمع ونرى. وهنا سياق المجريات يتراوح في لحظته الحرجة، إما في اتجاه التصعيد الذي تقوده المعارضة ومعها جانب من الجماهير، وهدفها المعلن إسقاط الحكومة الحالية التي يقودها محمد الغنوشي بصفتها امتداداً للنظام السابق، وهذا الفعل له مبرراته المنطقية، لكنه يحمل سؤالاً عن البديل المناسب في ظل الفراغ المتوقع الذي يبعث على القلق من ناحية إدارة أمور الدولة والمحافظة على الأمن بصفته عنصر الاستقرار الأهم.. وفي الجانب الآخر هناك من يرى المضي في اتجاه التغيير، لكن بصورته الحالية التي تسمح بإعادة صياغة الواقع السياسي واستيعاب المتغيرات الجديدة، دون الإصرار على إزالة ما يسمى برموز النظام السابق، على اعتبار التخوف من اغتيال مشروع التغيير، بعد كل ما قدمه الشعب من أجل تحقيقه.

من المهم جداً أن يستوعب التونسيون، شعباً وحكومة ونخبة، المرحلة بكل جللها ومنجزها، ومع كل التداخلات الواردة والتي سترد تباعاً، يجب الحرص على المكتسبات وجعلها فوق كل اعتبار حزبي أو شخصي، فهذا أوان تغليب مصلحة الوطن على ما سواها.