لأننا نحبُّ لبنان وشعبَه، ولأنَّ أفئدتنا مهجوسة دائماً باستقراره، وبالأمن والأمان فيه، تُقلقنا الأخبار المتواترةُ فيه عن التأزم السياسيِّ المستجدِّ فيه، والذي يتصّلُ بأجواءِ توتراتٍ واضطراباتٍ سابقة، ظنَّنا أنَّ الحكمة تغلبت عليها فلن تعود، وأنَّ التوافقاتِ والتفاهماتِ أنقذت البلاد من تجدُّدها، غيرَ أنَّ الذي نرى يؤَشِّر إلى أنَّها كانت مجرد مسكناتٍ موضوعيةٍ وظرفية، ما يعني أنَّ الحلَّ الشافي لمشكلاتِ هذا البلد، وخلافاتِ أهل السياسة فيه، إمّا يكونُ جذرياً وجريئاً، ويقع كل أسباب الشقاق، أو أنَّ الدورانَ في المربع الفارغ سيظلُّ المشهدَ المتكرر. وهنا نقولها، للمرة المليون على الأقل، ان الوفاءَ لمنطقِ الدولة، والارتكاز على قاعدةِ أنه باختلالِ هذا المنطق واهتزازِه، وبالعملِ المحمومِ على تغليبِ الجهويِّ والمناطقيِّ والطائفيِّ والمصلحيِّ عليه، فإنَّ حال لبنان سيظلُّ العوجُ يعتريه، وستبقى عملياتُ إنقاذِه من الرياح التي تعصفُ به منقوصة، وغيرَ مجديةٍ بالقدر اللازم والحاسم.
ليأذن لنا أشقاؤنا اللبنانيون بالقول إنّ إسرائيل ليست الخطر الوحيد الذي يهدّد بلدهم، ومع تأكيدِنا بديهية اعتبار إسرائيل عدواً للبنان ولكل العرب، فإننا لا نستسلم لهذه الحقيقة، من دون إمعان النظر في مخاطرَ ماثلةٍ على لبنان، وفي مقدمتها التساهلُ الذي تبديه جهاتٌ وأطرافٌ وأحزابٌ وفاعلياتٌ فيه تجاه ما يجبُ أن تقومَ عليه الدولة في هذا البلد، ما يبقيها مخلعةً ومهتزةً ومرتجّة. ولأنَّ أسسَ الممارسة الديمقراطية واضحةٌ كل الوضوح، ولأنّ أهل لبنان من أدرى شعوب الأرض بها، فإنَّ الاحتكام إليها أوجبُ ما ينبغي الالتزام به، كما أنَّ المؤسسات التي تتولدُ منها هي الحاميةُ للتعدديّة الحقّة، وللتنوع السياسي في البلاد، وللتعايشِ العام بين مكونات المجتمع وتمثيلاته. وفي هذه الإشارة، لا نعطي درساً لأحد، بل هو التذكيرُ الواجبُ بأن مثل هذه القناعة لم تتوطّن في أفهامِ ومدارك زعامات في لبنان، تنزعُ إلى أساليبَ وطرقٍ مغايرةٍ في تظهيرِ خياراتها، وفي تعيينِ مواقعها.
مؤدّى ما سبق أنَّ الحل المشتهى للمسألة اللبنانية، بأطوارِها المتجددة، لا يمكن أن يكون إلا لبنانياً، وأن الوساطات العربية الخارجية مهما بلغت صدقية القائمين بها، ومع كل التقدير لها والتنويه بأهمية استمرارِها، لن تفلحَ في إيصالِ هذا البلد العزيز إلى شواطئِ الاستقرار الذي لا يبعثُ على قلق، وقى اللهُ لبنان وأهله منه دائماً.