يذهب لبنان الجميل، هذه المرة، بعيداً في الخلاف بين فرقائه، والمجال بات مفتوحاً لكل الاحتمالات، كما هو متاح لكثير من لغو القول من قبل أكثر من طرف، إن في اتجاه تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية أو في اتجاه التأجيج الطائفي والحزبي. ومن أهم بنود المرحلة الحالية أنها مسدودة الأفق حتى الآن، بالنسبة لصيغة يمكن الترويج لها بين الأطراف، فلا خطوط متقاطعة في كل المشهد الظاهر للعيان، باستثناء خفوت لغة التهديد باستخدام القوة، وهذه الميزة قد تتلاشى إذا ما صدر القرار الظني واتهم بشكل مباشر عناصر حزب الله، باغتيال رفيق الحريري.
كذلك يمكننا التوقف أمام أكثر من تحول في المشهد اللبناني، لعل أهمها عودة دمشق إلى الواجهة كمحور إنقاذ قادر على فرض التهدئة، ما يعيد إلى الأذهان الدور الذي طالما مارسته سوريا في الشأن اللبناني الداخلي خلال السنوات الخوالي، كجارة و«شقيقة كبرى»، وهذه المرة بدأت تظهر في الأفق السياسي موافقة شبه إقليمية على ممارسة نفس الدور وإن كان بشكل جديد، ولذا فمن المتوقع أن لا يكون وليد جنبلاط آخر زوار الشام، خاصة بعد فشل مساعي «س ـ س» في إعداد الواقع لاستيعاب مرحلة ما بعد المحكمة.
تركيا أيضاً دخلت هذه المرة على خط الأزمة اللبنانية من أوسع أبوابها، ويشارك قادتها في الاجتماعات المخصصة لهذا الملف على أعلى المستويات، وهي بهذه الخطوة تتجاوز سياسة فتح الأبواب المغلقة مع الشرق العربي، من خلال الزيارات الدبلوماسية وتوقيع اتفاقيات التعاون مع أكثر من عاصمة، إلى المشاركة العملية في رسم السياسات والمساهمة في إيجاد الحلول، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه غياب بعض الدول العربية عن القيام بدورها الريادي.
الحالة اللبنانية بمشهدها الجديد القديم، فتحت المجال لمسلسل جديد من المقترحات، للخروج من نفق الأزمة. ومع كل التحركات التي يمكن أن تخرج بها قمة دمشق الثلاثية (سوريا وقطر وتركيا)، إضافة إلى الدعوة الفضفاضة التي أطلقتها فرنسا لتشكيل «مجموعة اتصال»، بمشاركة باريس وواشنطن والرياض ودمشق وأنقرة لإيجاد حل مقبول، فإن مدار الأمر مرتبط بالقدرة على التأثير في أطراف الحكم في بلاد الأرز، وتغليب مصلحة الوطن على ما سواها.