لم يكد يقترب اللبنانيون من مرحلة السكون السياسي في ظلال حلم جميل، بأن المساعي السعودية ــ السورية استطاعت أن تحتوي الخلاف بين الموالاة والمعارضة، وصار الجميع إلى تفاؤل بحلحلة ومخرج لاستحقاق المحكمة الدولية بكل ما يعنيه من شرر له أوار، وبكل تبعاته المتعلقة بالقرار الظني الذي يتوقع أن يضع عناصر من حزب الله في قفص الاتهام، حتى ظهر أن المسألة برمتها أكبر من لبنان وأهله، وطاقتهم لا يمكنها لوحدها أن تتحمل باهظ التبعات إذا ما بلغ السيل الزبى. وكل هذا يأتي في ظل ظرف دولي لا يسمح بمرونة داخلية على خلفية تدخل خارجي، مثل المحكمة التابعة للأمم المتحدة، وهنا من الواضح أن واشنطن مصرة على أنه لا حديث عن تسويات إلا بعد إعلان الاتهام الظني.

من المتوقع أن تتواصل ردود الأفعال وتتصاعد، بعد أن نعى ميشال عون حليف حزب الله، مساعي (س ــ س)، متهما فريق الرئيس سعد الحريري بأنهم لم يتجاوبوا مع الجهود السعودية السورية، وبالطبع فإن طيف المولاة رد الفشل إلى الضد من منطلق أن النعي هو في الحقيقة لتراجعه عن التزاماته. ويبدو أن التحركات باتت محمومة بين بيروت ودمشق، وبين الأخيرة ونيويورك حيث يقضي خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز فترة النقاهة، كما يحل في المدينة رئيس الوزراء اللبناني مجريا الكثير من اللقاءات مع الفعاليات الدولية وفي مقدمتها الرئيس الأميركي. وبالطبع فإن قصر بعبدا حيث يقطن الرئيس ميشال سليمان، تحول إلى مزار للكثير من المتضادين، بحثا عن مخرج من خلال استخدام أوراق الضغط المتوفرة.. والقادم أصعب إذا ما تداعى القوم إلى التحزب حول ما يمتلكون من قوة ومن بأس شديد، والضحية وطن وشعب يريد الاستقرار، لكن هيهات هيهات.

المشهد يتجه بسرعة إلى الداخل، بعد أن أعلن أكثر من طرف أن التوافق يجب أن يكون لبنانيا محضا. وبين الجمع بين معادلة الاستقرار التي يتشدق الجميع بأنه متمسك بها، وبين معادلة العدالة المختلف في تفسيرها، نتمنى أن يركن أهل الخلاف إلى الحوار خيارا وحيدا للبحث عن الحل المفقود.