الأنباء الواردة من أبيي لا تنبئ بعافية، وهي التفاتة تحمل الكثير من التشاؤم عن مستقبل هذه المنطقة التي تقع بين شمال السودان وجنوبه، ومع كل لعلعة الاستفتاء التي نسمع ونرى، وكل هذا التدفق إلى صناديق الاقتراع، فإن جملة الأحداث بوق نذير جاء في وقت متقدم، ويطرح العديد من الأسئلة على الماضين بسرعة إلى الانفصال على أساس من اليقين بأنهم على موعد مع واحة الازدهار والأمن والاستقرار، وأصحاب القرار أكانوا في جوبا أو في الخرطوم، يتحملون عبء الإجابة على علامات الاستفهام التي تنضح بها دماء القتلى الذين سقطوا على هذا الحد المتنازع عليه بينهما.
مع كل الضخ الإعلامي الذي تشارك فيه حليفا الحكم في السودان الواحد، واتفاقهم على تأجيل الحديث عن هذه البقعة المتنازع عليها على أساس أنها ستأتي في مرحلة لاحقة بعد انفضاض عرس إعلان الدولة المستقلة، فإن الواقع يدق بمتناقضاته، وتوارد الأنباء عن مصرع ما يقارب المائة من القتلى وأضعافهم من الجرحى منذ الجمعة الماضية وحتى يوم أمس، فيه الكثير من الأجراس التي ترن، وتستدعي التدخل على المستوى السياسي قبل العسكري، بهدف استيعاب التناقضات الجمة التي يمكن أن تقع في هذا الحيز الجغرافي الضيق، الذي يتوزع في باطنه وعلى ظاهر أرضه الكثير من الثروات، وتتوزعه ديمغرافية سكانية من ناحية التشكل القبلي كما هي من ناحية الدين، ولذا فإن الشياطين إذا كانت تسكن في التفاصيل، فإنها في ما حدث حتى الآن في منطقة أبيي، لم تنتظر كثيرا حتى تبرز برأسها المحموم وتكشر عن أنياب الافتراس، مهددة السلم الأهلي وضاربة عرض الحائط بالربيع المتوقع بين الشمال والجنوب، كما تظهر ذلك أطراف الحكم.
إنه من السهولة بمكان توجيه الاتهامات إلى قبائل المسيرية بأنها تقف وراء أعمال العنف في تلكم المنطقة، ومن الميسر إصدار البيانات التي تطالب الأطراف بضبط النفس، ونسمع عن مبادرات للأمم المتحدة لنشر قوات إضافية لردع المتهورين، وهذا كله لا غضاضة فيه، لكن إغماض الطرف عن ما يحدث والانشغال بترقب نتائج الاستفتاء المعروفة مسبقا، يمكن أن تؤدي إلى حرب أهلية نكاد أن نتلمس بداياتها.. لكن مآلاتها تقع في خانة المجهول حتى حين.