يجب على المعنيين أن يتدارسوا منذ الآن التحديات التي سيواجهها السودان، بعد أن يمضي الجنوب إلى حاله مستقلا حالما بما يريد ومتحملا نتيجة قرار شعبه، أما السودان الأصل فأمامه الكثير من المتغيرات التي تستوجب إطالة نظر وتداع في التفكير حول المآل المتوقع، بعد كل هذا الحراك الذي يعيشه، بل إن معايشة حدث الانفصال يشغل مساحة واسعة من الخريطة العالمية، بدءا من الولايات المتحدة التي لا تخفي حماستها ومساندتها لولادة الدولة الجديدة، مرورا بالأمة العربية، ووصولا إلى القارة الإفريقية التي تقرأ كل عاصمة فيها الحدث، من وجهة نظرها ومدى تأثيره على تنوعها السياسي والجغرافي، ويبقى شمال السودان بحكومته وأهله هم أكثر الأطراف المعنية بقراءة ما بعد الانفصال.
لعل أهم الاستحقاقات التي تتبادر إلى الأذهان، هي طبيعة العلاقة بين الخرطوم وجوبا خلال المرحلة المقبلة، ومع كل التحليلات التي تعرضت لهذا الجانب، فإنها تظل غامضة عصية على التأكيد وعلى الخروج برؤية واضحة المعالم، فالضبابية تأخذ الحيز الأكبر من المساحة، بالرغم من كل الاطمئنان الذي حاول أن يضفيه طرفا الحكم، من خلال التصريحات المتبادلة وجميل العبارات ورشيق التمنيات ووعود التعاون المثالي. وهناك جوانب في هذه العلاقة المرتقبة بين الوطن الأم والوليد الجديد، لعل في مقدمتها هذا التداخل الشعبي الذي يأخذ منحى قبليا على خطوط الاحتكاك، كما هو في اجانب منه علاقات سكانية قد تتاقرب وقد تتباعد، لكنها في النهاية ستتأثر بما ستؤول إليه الأمور، إما في ناح ستيعاب كل طرف للآخر وتقبله، وإما التمركز خلف ما بعد الانفصال من منطلق تغير المصالح.
نستطيع أن نطلق على مرحلة التصويت أنها تكتيكية مرتبطة في ممارساتها بضرورات الانفصال وتفاعلاته، ولذا وجدنا الكثير من التقارب بين حكومتي البشير وسيلفا كير، فما أن قام الرئيس السوداني بزيارته الأخيرة كرئيس للدولة إلى جنوب بلاده، داعما للخيار الذي ستؤكده صناديق الاقتراع، حتى بادله الطرف الآخر بوعد طرد متمردي دارفور والتعهد بالعمل على ما يضمن استقرار الشمال، وكل هذا التفاعل الدافئ يقع على مسافة قريبة من العين الأمريكية، التي بين سياسة العصا والجزرة تمرر ما تريد، وفقا لما تخطط له والفوائد المرتقبة في المحصلة النهائية.