يعبرُ السودانُ اليوم إلى مرحلةٍ خاصّةٍ في تاريخِه، تُغايرُ ما قبلها، تُحدّد معالمَها نتيجةُ استفتاءِ حقِّ تقرير المصيرِ الذي يقومُ به أهلُ الجنوب، وقد بات من شبهِ المؤكدِ أنْ تكونَ في اتجاه انفصالهم في دولةٍ مستقلة، وهو خيارٌ إذ تحقق نؤكد على احترامه، ونأملُ، في الوقتِ نفسِه، أنْ يُحقق لأهل الجنوب الاستقرار الذي ينشدونه. ونأمل أنْ تكونَ لكيانِهم المستجدّ أحسن علاقاتِ الجوار مع محيطِه، وتحديداً مع شماله، حيث أواصرُ الأخوة والتاريخ المشترك، وحيثُ مصلحتهم سياسياً واقتصادياً في أن تنزعَ هذه العلاقات إلى التكامل الأجدى. وكان طيباً من رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان سلفاكير ميارديت، قوله قبل أسابيع، إنَّ الدولةَ التي ستقوم في الجنوب، إن أكَّدتها نتيجةُ الاستفتاء، ستكونُ بحكمِ الجغرافيا جارةَ السودان، ولن تكونَ على شاطئ المحيط الهندي. وكانَ طيباً أيضاً من القيادي في الحركة ياسر عرمان، عدمُ استبعادِه تفضيل الجنوبيين، في ظروفٍ تاريخيةٍ لاحقة، العودةَ إلى الوحدة، كما توحّدت الألمانيتان.

آمالنا عريضةٌ بأن ينعمَ السودانيون، في دولةٍ موحدّةٍ أو في كيانين، بكلِّ أسبابِ الدعةِ والوئام، وبأنْ يكون رهانُهم على التنميةِ والتحديثِ ورفعِ سويّةِ عيشهم، وعلى الارتقاءِ بكل أسبابِ تقدم بلديهما، في التعليم والإسكان والزراعة وغيرها. ونظنُّ بأنّ وعياً يولي هذه القضايا كلَّ الأولوية، هو وحدَهُ الكفيلُ بإبعادِ أيٍّ من السيناريوهاتِ السيئةِ التي يطرحُ محللون ومعلقون احتمالَ حدوثها. وكلنا ثقةٌ بأنَّ القياداتِ السودانية، في الشمال والجنوب، أعرفُ بالصيغِ الكفيلةِ بتجنيبِ مواطنيهم مثل تلك المناخات السوداء، وبما من شأنِه تحقيقُ أشواقِهم إلى المواطنة الحقة.

ستكونُ دولة جنوب السودان الوليدة، إذا أفضى إليها استفتاءُ اليوم، عرضةً لتأثيراتٍ وإغراءاتٍ خارجيةٍ كثيرة، ربما تعملُ على إبعادِها عن علاقاتٍ حسنةٍ مع الدول العربية، وقد تعمدُ أصابعُ غيرُ خافيةٍ من أجلِ دفعِها لتكون منصةً لمخاطرَ غيرِ هيّنةٍ ضد غيرِ دولةٍ عربية. والرهانُ هو على الحصافةِ السياسيةِ التي لا بدَّ أنْ يتحلى بها قادةُ الجنوب، وعلى أنْ تبادرَ جامعةُ الدول العربية إلى تطويقِ مثل تلك المحاولات غير المستبعدَة، وتنشط في اتجاهِ أوثقِ العلاقاتِ مع الدولة المحتملة، وإقامةِ أقوى جسورِ التواصل معها.. نستبق في التأشير إلى هذا الأمر حدثَ الاستفتاء السوداني، مع تأكيدِ كلِّ الاحترامِ لنتيجتِه أياً كانت.