زيارة الرئيس عمر البشير إلى جوبا حملت في شكلها الخارجي كما في طياتها، اعترافاً مسبقاً بدولة جنوب السودان، حيث طبيعة الاستقبال والاستعراضات تشي بكيان ما بعد الانفصال، وبأننا قاب قوسين أو أدنى من إعلان دولة مستقلة، بعيداً عن ترقب ما سيؤول إليه الاستفتاء، والذي حسم مسبقاً بهذا الضخ الواسع عن قناعة الجنوبيين بالانفصال خياراً وحيداً «ما له ثاني»، فلم يعد أحد يتحدث عن خيار استمرار الوحدة، حتى أهل الشمال تجد لدى جلهم قناعة بما بعد الدولتين والاستعداد لهذا الاستحقاق، إن على مستوى الحزب الحاكم، أو المعارضة التي تعد عدتها للتعامل مع مقتضيات الأمور وفقاً لأسلوب جديد يتماشى مع طبيعة المتغير الضخم الذي ستشهده البلاد.
الرئيس السوداني الذي بدا أكثر هدوءاً وهو يتحدث فيما يظهر كآخر رئيس لأكبر دولة إفريقية من ناحية المساحة، أراد من الزيارة أن يؤكد على تقبل فكرة الانفصال، بل ذهب أكثر من ذلك، بإعلانه أنه سيشارك في احتفالات الجنوب بالاستقلال، وكأنه يريد بهذا وغيره من وعود أطلقها وهو في عاصمة الجنوب، أن يسجل قدم سبق في التعامل مع الوليد المقبل، على أساس أن حكومة الخرطوم برئاسة حزب المؤتمر الوطني هي التي وقعت على اتفاق السلام عام 2005 وضمنت بموجبه الاستفتاء، ومن ثم فإنها الأولى بالمشاركة في جني الثمار السياسية المرتقبة على الناحية الداخلية، التي لم يظهر حتى الآن على سطحها رفض علني ومؤثر لتقسيم الوطن إلى وطنين، كما أن الخارج يترقب عن كثب مشهد عرس الانفصال، ويقدم الإغراءات للأطراف للمضي حتى نهاية المشوار.
مع كل هذا «اليسر» الذي يتسابق الجميع في التنافس عليه، يبقى مستقبل السودان والنتائج المتوقعة لقرار الانفصال على المحك، وكل محاولات التبشير بتجاور آمن وحراك مستقر، يبقى رهناً للمجهول من ناحية التداعيات الميدانية على خطوط التماس، في جانبها السكاني كما في بعدها المرتبط بتوزيع الثروة، وعلى رأسها حصة النفط، إضافة إلى ما هو خفي في الزوايا المعتمة في الجانبين، وهناك القوى العالمية التي تعد عدتها للدخول إلى الدولة رقم 193، بحثاً عن الثروة والنفوذ.. فهل أعدت العدة الكافية لكل هذه التحديات؟