لا تتورَّع إسرائيلُ عن الجهرِ بنيَّتِها المبيّتةِ لشنِّ عدوانٍ عسكريٍّ واسعٍ على مواطني قطاع غزّة المحاصر، بدعوى الردِّ على إطلاقِ صواريخ من مناطقَ في القطاع، وتتعمَّد أوساطُ جيش الاحتلال بثَّ تصريحاتٍ تُنْذِرُ وتتوعَّد، ومن جديدِ هذه التصريحات أنَّ شنَّ العدوانِ باتَ مجرد مسألةِ وقت، ما يُؤشِّر إلى أنَّ الإعدادَ ميدانياً له متواصل. والمستهجنُ في أجواءِ الوعيدِ والتهديدِ هذه أنَّها لا تحرِّكُ ساكناً، عربياً وفلسطينياً، ولا تلفتُ نظرَ أحدٍ في المجتمعِ الدوليِّ الذي يضمُّ لجنةً رباعية، يُقالُ لنا إنَّ من مهمّاتِها إيجاد أجواء عمليةً لسلامٍ منشود، وتيسير أحوالِ الفلسطينيين وعيشِهم في أرضِهم. والمستهجنُ، أيضاً، أنّ كلَّ الكلامِ الإسرائيليِّ الذي ينشطُ حالياً في اتجاه حربٍ معلنة، يوحي وكأنَّ قطاعَ غزّةَ يرفلُ حالياً بنعيمِ الاستقرارِ والسكينةِ والهدوء، وأنَّه لا يغالبُ شيئاً من حصارٍ قاسٍ وشديد، ولا يتمُّ العدوانُ العسكريُّ على أهله، فيسقطُ يومياً من بنيه شهداءُ وجرحى جرّاءَ غاراتٍ إسرائيليةٍ لا تتوقف.

زوبعةُ أسئلةٍ نجدنا أمامها، تتعلَّقُ بهذا المشهدِ شديدِ الغرابة، على الصعيدين الوطني الفلسطيني والقومي العربي، وكذا على الصعيد الإنسانيِّ العام. لعلَّ أولَها عن غيابِ رؤيةٍ فلسطينيةٍ جامعة، تُبادِرُ إلى إنقاذِ أهلِ القطاع المحاصرين، والواقعين تحت طائلةِ الوعيدِ والتهديدِ الإسرائيلييْن، وتعملُ من أجلِ انتشالِ الوضع الفلسطينيِّ العام مما هو فيه من تشَتُّتٍ وانقسامٍ ورداءةٍ وتفكك، ومما هو فيه، أيضاً، من انشغالٍ بما تتعرّضُ له المفاوضاتُ مع الجانبِ الإسرائيليِّ من استخفافِ العصابة الحاكمة في تل أبيب بالاستحقاقاتِ الواجبةِ لدفعِ هذه المفاوضات إلى أيِّ تقدم. نؤشِّرُ إلى هذا الأمر، فيما البادي أنَّ المؤسّسةَ الفلسطينيّةَ الرسميّةَ مطالبةٌ بأخذِ الحالةِ العامةِ لقطاع غزة إلى صدارةِ أولوياتِها، وإلى أن تكونَ الشاغلَ الأهمَّ لتحرّكها، ما يوجِبُ، ابتداءً، إنهاءَ حالة الانقسام السياسي والجغرافي، المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام. وما يعني تالياً الشروعَ بجهدٍ وطنيٍّ، مسنودٍ عربياً، ينشطُ في عمليةِ إعمارِ القطاع، وفي معاونةِ أهلِه على تحسين أحوالِهم وتوفيرِ ما يلزمهم من أجلِ عيشٍ كريم. وعربياً، من المأمول أنْ نقعَ على انتباهِ صُنّاعِ القرارِ إلى المخاطِرِ التي تتهدّد الفلسطينيين في قطاع غزة، فيبادرونَ إلى اللازمِ بمقتضياتها الضاغطة، من قبيل إجراءاتٍ عمليةٍ لرفع الحصار، وتيسيرِ سبل المصالحة الفلسطينية، مثلا.