مقارنة ظالمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعد المقاربة بين الثقافة والسياسة، مقارنة ظالمة، فعلاً، فالثانية تتمتع بسلطة مادية مباشرة، لها أوجه متعددة، منها ما هو مالي واقتصادي وعسكري وإداري، وتسندها منظومة كاملة من القوانين والتشريعات، وتتلاقى عندها مصالح قوية، وهي نفسها مصدر نفوذ وقرار، وتملك أن تحدث أثراً فورياً في المصائر، وتستطيع كذلك أن تجري تحولات عميقة على المدى البعيد، وفي الحالتين، يمكنها أن تشمل بأثرها الجماعة ككل، أو تخص به بعض الأفراد على وجه التعيين. وهي تفعل ذلك، بغض النظر عن إرادة من تشملهم بتأثيرها.

وبالمقابل، للثقافة أثر على المدى البعيد، بطيء، لكن عميق، في إحداث الأثر. وإن تأتّى لها أن تمارس تأثيراً سريعاً، فعلى الأغلب سيكون على أساس فردي، تبعاً للاستعداد المسبق لدى المتلقي المستهدف، وبطوعه.

هيمنة السياسة على الحياة العامة في المجتمعات، لا يعدلها شيء سوى هيمنة الاقتصاد. وحينما نقول «الاقتصاد»، لا نعني الدورة الإنتاجية والخدمية الضرورية لتأمين حياة سلسة في المجتمعات، ولكن تلك المنظومة التي تفيض عن هذه الحاجة، وتمتلك سلطتها القسرية المبطنة، وتبرر نفسها بضرورتها لتأمين عيش مقبول للأفراد. وبهذا تبدو الثقافة وكأنها غير ذات أثر مادي في حياة المجتمع والأفراد، لا يمكنها أن تؤمن وظائف، ولا بوسعها أن تفتح بيوتاً.

وفي الواقع، الثقافة هي على العكس من ذلك تماماً. منتجة، وكريمة مع المجتمع الإنساني والأفراد، فعدا عن كون في السياسة والاقتصاد يستثمرانها ويستغلانها على نحو بالغ في سلطتهما، تمد المجتمعات والأفراد بالقوة الروحية والفكرية والنفسية على مكابدة الحياة. وهي من خلال هذا وذاك، وعلاوة على هذا كله، تخلق وظائف، وتفتح بيوتاً وتطعم أفواهاً.

وأبسط الأمثلة على ذلك، هو ما تقوله أرقام جمعية «أصدقاء شكسبير» البريطانية، ومنها أن في العالم ثمانمئة ألف إنسان، على الأقل، يتعلق رزقهم ومصدر دخلهم بالكاتب الشهير، الذي تمر أربعمئة عام على وفاته في أبريل المقبل، وهؤلاء يبدؤون من صانعي وباعة التذكارات، ولا ينتهون بالفنانين والمشتغلين بالمسرح والإذاعة والتلفزيون وشبكة الإنترنت والجوال.

وشكسبير، غير المنتفع شخصياً من «تجارته»، ليس رب العمل الوحيد الذي قدمته الثقافة!

 

 

طباعة Email