في تأمل الأفكار المكرورة

ت + ت - الحجم الطبيعي

في تقديم لموضوع هذا المقال، من المناسب الإشارة إلى أن حركة التعليم في العالم العربي والاستثمار فيه، وهو أهم وأعقل الاستثمارات على الإطلاق، له عوارض سلبية فادحة. منها أن المؤسسات الأكاديمية التي انتشرت خارج حواضن العلم التقليدية تمتعت بقدرات مالية ودعم لوجستي وإسناد حكومي، أكبر بكثير مما هو متاح للمؤسسات الأكاديمية العريقة الفاعلة.

ولأن المراتب العلمية، التي تمنح للأفراد في الثقافة والعلم والمؤسسات الأكاديمية على حد سواء، هي صماء تماماً مثل الرتب الإدارية والعسكرية، ويسري عليها البروتوكول، فإن المؤسسات الأكاديمية حديثة العمر، التي لا تزال تراهق في عالم المعرفة والعلم، لها سطوة أكبر مما تملك مثيلاتها العربية العريقة، وتجد أمامها طرقاً مفتوحة في سراديب البرستيج العلمي في العالم، لأسباب غير علمية، ولا أكاديمية.

أخطر ما في الأمر، أن هذا الواقع خلق جيلاً جديداً من الأكاديميين العرب، لا يمكن أن يعبر وجودهم عن أي شيء علمي أو أكاديمي، سوى انهيار العلم والمؤسسة الأكاديمية العربية. وهؤلاء بالذات اجتاحوا المنابر العلمية والإعلامية في السنوات الماضية القليلة، ويملأون الفراغ بأفكار مكرورة، ساذجة وسطحية.

ومن هذا اللغو المكرور، تلك اللازمة التي تضع كل مصائب الراهن العربي على تجارب عربية هنا أو هناك، حاولت أن تبني دولة وطنية. وهم يتساءلون بلا كلل: «ما الذي عادت به علينا الأنظمة الثورية (ويقصدون طبعاً، البعثية والقومية والتجربة الناصرية) سوى المصائب والشعارات الغوغائية (ويقصدون بطبيعة الحال الدوغمائية)».

 ولا ينتبهون لدى حديثهم عن التهديدات الإقليمية، أن العالم العربي كان يتمتع بحصانة نسبية أكبر في ظل وجود هذه الأنظمة، وانكشف أمام أطماع القوى الإقليمية المحيطة على نحو خطر، مع زوال هذه الأنظمة.

وعلى سبيل التذكير، لقد كان لدى العالم العربي أسلوبان للتعامل مع التهديد الإيراني، الأول عنوانه القوة. وكانت هذه مهمة العراق. وأسلوب اللين والتفاهم، وهذا أسلوب سوريا. ولكن العراق انتهى، في حين أصبحت سوريا اليوم في حكم غير الموجودة، بينما الشعور بالتهديد الإيراني يتفاقم.

والأمر ببساطة يشبه في الحالتين تطوع العرب بالتجرد ذاتياً من سلاح كانوا يملكونه.

طباعة Email