مفاعيل نشطة

ت + ت - الحجم الطبيعي

يكتب معلق سياسي روسي قبل مدة، ليصف مغزى سياسة بلاده، فيقول إن موسكو تسعى إلى طي صفحة ما سمي بـ «الربيع العربي»، وإبطال ما يمكن من مفاعيله. ونعرف أن روسيا ترى في الأحداث العربية، التي تشغل العالم منذ نحو خمس سنوات، عملية استخباراتية مبرمجة.

وفي الواقع، يمكننا من جهتنا أن نلاحظ أن ثلاث مفاجآت روسية من العيار الثقيل، وأخرى فلسطينية بالمستوى نفسه، خلال شهر واحد، لا يمكن إلا أن توحي بأن عجلات الزمن السياسي تدور بسرعة قياسية، ما يقود العقل إلى النتيجة التي وصل إليها المعلق الروسي، ويمكننا أن نستذكر أن زيادة الوجود الروسي، والحملة الجوية الروسية، واستقبال موسكو المفاجئ للرئيس السوري، تدفع للاعتقاد أن ثمة مقاربات شبه ناضجة للتحرك أماماً، بينما يأتي تحرك الميدان الفلسطيني ليعيدنا إلى زمن سياسي «مألوف».

وفي الوقت الذي تبدو فيه القوى الدولية والإقليمية منشغلة بتداعيات ما أسماه الإعلام الغربي «الربيع العربي»، فإن وتيرة الحدث الفلسطيني المتصاعدة، ستتطلب المزيد من الاهتمام السياسي، الذي يتضح أنه ليس من اليسير استقطابه في مثل هذه الظروف، ما يضعنا أمام حقيقة مقلقة، تتمثل في النفي المتبادل بين القضية الفلسطينية و«الربيع العربي»، وأن هذا الأخير كان خالياً تماماً من أي جوهر فلسطيني، ولم يشمل باهتماماته رفض واقع الاحتلال، بل على العكس، فتح مسارات لتجاهل القضية الفلسطينية، التي تمثل آخر حالات الاحتلال الصريح.

ومن هنا، ليس غريباً أن يشير تحرك المسار الفلسطيني، إلى برود أحداث السنوات الخمس الماضية، والدخول في مرحلة جديدة. ومع ذلك، فإنه ليس من السهل أبداً، أن تحجز القضية الفلسطينية مكانها المناسب في هذه المرحلة، فالتعنت والسياسات الإسرائيلية الاستفزازية، التي تراوغ وتحاول تجنب أي تغيير في الواقع، لا تسمح بحدوث ذلك، في حين يبقى السبيل الوحيد أمام الفلسطينيين لإثارة الاهتمام بقضيتهم، من خلال خوض مواجهات غير متكافئة مع عدوهم المدجج بالسلاح والدعم والتواطؤ الدوليين.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الأحداث الأخيرة في الميدان الفلسطيني، كمحاولة في هذا الاتجاه، ولكن هذه المحاولة ستبقى في نطاق المحاولة على الأغلب. وذلك بحكم حالة النفي المتبادل مع «الربيع العربي»، وبحكم أن هذا «الربيع» لم ينته، ولا تزال بعد مفاعيله نشطة، وتشغل العالم!

طباعة Email