بندقية الأمل

ت + ت - الحجم الطبيعي

من أهم ما يكتشفه المرء في حياته هو أن صرعى بندقية الأمل حينما تخطئ أكثر بما لا يقارن من ضحايا مدافع اليأس عندما تصيب. وهذا شيء يفهمه على وجهه الحسن مواطن «الاتحاد السوفييتي» الذي عاش طوال عقد، أو أكثر، أقصى ما تقدم الرأسمالية، ولكنه رغم ذلك عاد يريد أقل ما كانت قدمت له التجربة السوفيتية. وهذا شيء يمكن أن ينطلق منه المرء لفهم عقل روسيا الجديدة.

وبالطبع، هذا شيء أخطأنا، مع العالم، في الانتباه إلى مقدماته، ما أوجد خلال السنوات أزمة في فهم روسيا، عقدت سبل التعاطي مع قضايا المنطقة ولا تزال، مع فارق أن الاعتراف بالدور الروسي اليوم بدأ يفتح نوافذ الأمل!

روسيا التي خسرت تجربتها السوفييتية التنموية الأهم في تاريخها، سعت إلى استعادة تلك التجربة المتحررة من المال والأمل واليأس، وقادها ذلك إلى محاولة مواجهة الموقف الصعب، الذي وجدت نفسها فيه على إثر «ثورة» الغرب الليبرالية المدمرة في موسكو بداية التسعينات، بالقدرات الذاتية وبالإمكانيات المحلية، ومن الواضح أنها نجحت في ذلك.

وبهذا، مباشرة، ضمنت لنفسها مجالاً للحركة بعيداً عن الهيمنة العالمية الأميركية؛ ما كان يثير اضطراب الوزيرة هيلاري كلينتون التي دفعها الخوف من إعادة تشكيل الاتحاد السوفييتي، إلى وضع كل رهانات الإدارة الأميركية على ورقة تأزيم الوضع في أوكرانيا.

والواقع أن روسيا أعادت اكتشاف أن الاقتصاد وحده، في ظروف ضعف الدولة يميل إلى تغليب جانبه المالي، الذي بدوره يملك جنوحاً إلى المصالح الآنية والربح الفوري، وهو ما يقوده دوماً إلى سوق شراء الساسة والمسؤولين، وبالتالي التورط في الجريمة المنظمة؛ وأدركت أن الخلاص يتطلب استعادة دور الدولة، فاستعادته واستعادت دولتها.

وهنا، علينا أن نتذكر أن روسيا ليست مجرد مقعد في مجلس الأمن يمكن أن نشتري صوته، بل هي بلد يزدحم بالمصالح الاستراتيجية، وأن نعي أن النوافذ الروسية المفتوحة على الحل تدعونا لأن نتذكر أن صرعى بندقية الأمل أكثر من ضحايا مدافع اليأس، وأن علينا أن نفهم الآخرين قبل أن ندعوهم إلى فهم مواقفنا. وهذا ما لا نبرع فيه، فقد ورثنا الهيمنة الأميركية، ونجيد نسبياً التعامل معها، لا لأننا نفهمها، ولكن بحكم العادة، ولأننا ورثنا هذا التعامل جاهزاً!

والعادة، والأفكار المكرورة لا تسعف أحداً اليوم!

طباعة Email