قراءة أخرى

ت + ت - الحجم الطبيعي

لن تبدو الضجة الأميركية بشأن الوجود العسكري الروسي مفتعلة، إن وضعت في سياقها الحقيقي، الذي لا يتعلق فعلاً بـ «الوجود» القديم المعروف حجمه. وبالمقابل، سيخطئ من يعتقد أن الجانب الروسي سيتورط بالقتال الداخلي نيابة عن حليفه السوري، فموسكو ليست حزب الله، ولا حتى إيران. وبرهنت طوال الأزمة الدموية في سوريا، أنها تتمسك بحدود العلاقات المعهودة مع دمشق، ولم تبد أي نزوع نحو تجاوزها.

وهنا، في المسافة ما بين الحيثيتين السابقتين، ثمة قراءة أخرى تقودنا إلى خفايا الضجة الأميركية وأسبابها الروسية، وتبدأ هذه القراءة بالتذكير أنه لم تطرأ زيادة على «الوجود» العسكري الروسي القديم تغير من طبيعته، بحيث يصبح مقلقاً من الناحية العسكرية، ولكنه شهد تعديلاً وتحريكاً، يمنحه دوراً ومهمة تنقل الاستراتيجية الروسية إلى التطبيق العملي على الأرض، ما يذكرنا بمبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لإقامة تحالف ضد الإرهاب. التي هي حجر أساس في فهم ما يجري.

من اللافت هنا، أن مبادرة بوتين جاءت في وقت يعمل فيه تحالف دولي، موجود فعلاً، بقيادة الولايات المتحدة، فما الحاجة إلى تحالف جديد، ولماذا لا ينضم الروس إلى التحالف الموجود فعلاً!؟ ثم إن المبادرة الروسية توجهت بالذات إلى دول عربية وإقليمية موجودة فعلاً في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتنشط في سياقه. كما لم تهتم بالتوجه إلى الدول الكبرى. وهذا يقودنا إلى الانتباه أن «معجزة بوتين»، استتبعت موجة انضمام غربي، شمل فرنسا وبريطانيا وأستراليا وتركيا، إلى التحالف الدولي الموجود فعلاً.

بالطبع، لا تريد موسكو الانضمام إلى تحالف دولي تحت قيادة واشنطن. وهي اليوم تنتقل إلى بديلها الذي حددته مبادرة بوتين، وتعيد صياغة وجودها العسكري في سوريا، بما يضمن لها دوراً قيادياً في تحالف جديد. وبالمقابل، لا تريد الولايات المتحدة دوراً روسياً منافساً في المنطقة، وعلى وجه الخصوص عسكرياً. ناهيك عن أن هذا الدور يمكن أن يترجم إلى مكاسب سياسية لحليف موسكو السوري، لا سيما في هذا الوقت الذي تدعو أطراف أوروبية للتفاوض مع الأسد، والتنسيق معه في مكافحة الإرهاب.

المهم هنا، أن «التحريك» يعني أن موسكو اتخذت قرارها في خوض معركتها الخاصة ضد الإرهاب في منطقتنا، الواقعة على حدود المخاوف الروسية!

طباعة Email