بوتين الأوروبي

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الصفحات القديمة، التي لا يتذكرها اليوم أحد، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ابتدأ حياته السياسية مع «ديمقراطيي ليننغراد»، ذوي الهوى الأوروبي. وحينما انهار هذا التيار، أواسط التسعينيات، لصالح جماعات «ديمقراطيي موسكو»، ذوي الهوى الأميركي، دفعته الأحداث إلى موسكو، وقادته في النهاية إلى رئاسة روسيا.

ولا يتذكر أحد، كذلك، أن بوتين استهل عهده الرئاسي محكوماً بالتوجهات الأميركية لجماعات «ديمقراطيي موسكو»، لكنه لم يلبث أن حجم هذه الجماعات، وتحرر من توجهاتها، معبراً عن انحيازه إلى عواطفه الأوروبية القديمة، ثم طور هذه التوجهات في أطروحة سياسية، تضع روسيا في قلب أوروبا، ما أثار قلقاً بالغاً للأميركيين، الذين يريبهم تكاتف «العالم القديم»، فاعترضوا طريق التوافق الروسي الأوروبي، بكل وسيلة ممكنة.

وليس غريباً أن شهود تطورات الوضع الأوكراني، يجزمون أن جزءاً كبيراً من المتاعب التي واجهتها كييف، لا تعود إلى طموحات روسية بالهيمنة، يكثر الحديث عنها هذه الأيام، وإنما بسبب الظروف الأوكرانية المناسبة لتفجير الجسور التي حاول بوتين بناءها مع أوروبا، وقدرتها على صنع معضلات تعيق محاولات القفز فوق الحواجز الأميركية نحو القارة العجوز.

وبالطبع، فإن العودة الروسية القوية إلى الساحة الدولية، كانت كذلك سبباً إضافياً للبحث عن وسيلة مؤلمة لعقاب موسكو. ولكن أن يعقب تلك العقوبة «الأوكرانية» عقوبات تجارية، فهذا يعني أن العقوبة الأميركية الأساسية فشلت!

وفي ظل هذا الفشل، يمكن للأوروبيين أن يتأملوا قائمة الربح والخسارة من جوانبها: الأوروبية والروسية والأميركية. ويقيناً، سيجدون أنه إذا كانت تتداخل في الأرباح الأميركية والروسية خسائر هنا وهناك، فإن القارة الأوروبية نفسها الخاسر المطلق. ناهيك بالطبع عن أوكرانيا نفسها!

وهذه الخسارة لا يمكن رؤيتها فقط في الإحجام عن استقبال بوتين، الذي كان قفز بروسيا من المركب الأميركي، محاولاً الوصول بها إلى الشاطئ الأوروبي، بل كذلك في الموقف الأخلاقي المتهلهل، بما يتعلق بأوكرانيا.

وأقل ما فيه، أن حلفاء أوروبا هناك هم، بحسب قوائمها، زمرة من الفاسدين، الغارقين في الجريمة المباشرة، بعضهم يرعى مجموعات التطرف الإسلامي، وبقيتهم يحتضنون حركات النازية الجديدة الإرهابية. بينما أعداؤها هناك شباب بقيادات شابة، وليس لهم تاريخ في الفساد أو علاقة بالحركات الإرهابية، ويرفعون مطالب هي من صميم قيم أوروبا الحقيقية!

طباعة Email