كوريا وأوكرانيا

ت + ت - الحجم الطبيعي

تبدو كوريا الشمالية (الشيوعية)، في الصورة الإعلامية العامة، في هيئة الجزء الذي انفصل عن الكل. ولكن هذه فكرة من مخلفات الحرب الباردة التي لم تنته بعد في شبه القارة الكورية.

وفي الواقع، العكس هو الأقرب إلى الصحيح. لقد تم اجتزاء الجنوب الكوري في جمهورية مستقلة، بكلفة إنسانية وسياسية باهظة، يمكن تذكرها لدى تصفح دفتر التاريخ الكوري، منذ إعلان القاهرة بداية أربعينات القرن الماضي وحتى مطلع تسعيناته.

وعلى أية حال، ثمة حيثيات مثيرة للاهتمام في المسألة الكورية؛ أولها أننا نتناسى بحكم إرث الحرب الباردة الإعلامي أن كوريا الجنوبية التي أسست باعتبارها دولة ديمقراطية، عاشت حتى تسعينات القرن الماضي اضطرابات سياسية وأحكاماً عرفية وديكتاتوريات عسكرية قمعية، مدعومة من الولايات المتحدة.

الأمر الآخر، أن أياً من الكوريتين لا يسلم بالواقع الراهن، وأن هناك وزارة تسمى «وزارة الوحدة»، ومؤسسات مكرسة لهذه الفكرة في البلدين. بل إن موضوع الوحدة بين الشمال والجنوب ليس من النادر أن يناقش في لقاءات دولية. ومن المعروف أن واشنطن لها هنا رأي، بينما تحتفظ الصين بموقف، وتملك موسكو بعض التطلعات.

ومن اللافت أن ملف انقسام كوريا يشبه على نحو ما ملف انقسام ألمانيا؛ ولذا يقال إن جدار برلين انهار، واليمن المقسم عاد موحداً، ولكن تبقى كوريا. وفي هذا تطرح بعض الأفكار الروسية التي رددها الرئيس الروسي نفسه مرة، أن الوحدة الكورية أمام احتمالات محدودة: انهيار الشمال في سيناريو يشبه تحطيم جدار برلين.

وهو ما تريده الولايات المتحدة، وهذا غير وارد الحدوث. أو سيناريو معاكس تفرض فيه بيونغ يانغ الوحدة، وهذا غير ممكن في ظل التمترس الأميركي وراء الجنوب. أو ابتكار صيغة مقبولة من الجهتين ومن الأطراف الدولية.

وما بين الممكن والمستحيل، ترى الأفكار الروسية أن الضغوط التي ليست في محلها يمكن أن تؤدي إلى «فوران قوة» يأتي بنتائج معاكسة، وقد تمكن الشمال من تحقيق المستحيل الذي ينشده.

ومن المذهل، أنه يمكن لمن يعرفون الحالة الأوكرانية أن يطبقوا هذه الفكرة على الضغوط الغربية على روسيا، ويتوقعوا أن تؤدي التداعيات الداخلية إلى انهيار الطبقة السياسية «الأوروبية» المتآكلة في كييف، فلا تجد أوكرانيا مخرجاً سوى القفز إلى حضن فكرة الوحدة!

 

طباعة Email