الاستثمار في الثقافة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لاتزال فكرة الاستثمار في الثقافة تبدو «رومانسية» إن أشارت إلى المال، ولكنها تبدو سوريالية تماماً إن جرى الحديث عن السياسة؛ ومع ذلك، تبقى هذه فكرة وجيهة طالما أن الكثير من المشكلات التي تواجهها مجتماعتنا لها جانب ثقافي.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الحديث عن الاستثمار السياسي في الثقافة لا يذهب ابتداء إلى ما هو معتاد من توظيف للثقافة في أغراض سياسية آنية، بل على العكس تماماً، تذهب الفكرة إلى رعاية مساحة ثقافية حرة، تفتح عقل مجتمعاتنا على تعقيدات الواقع المعاصر الذي يعيشه العالم، ومحاولة استيعابه بوسائل غير سياسية، وتحديداً بوسائل ثقافية؛ وهنا، يمكننا أن نتذكر أن الإمكانية الوحيدة المطروحة أمام المواطن العربي لاستيعاب واقعه، وواقع العالم، هي بمحاولة فهمهما بوسائل سياسية حصراً.

وهذا قاد إلى نوع من «الهوس» بالسياسة، والتورط بالانشغال بها، على مستويات متعددة، منها ما هو مدمر فعلاً، ليس فقط بالنسبة للدولة العربية، ولكن كذلك بالنسبة للمجتمعات.

ويمكننا هنا، أن نرى أن هذا «الهوس» السياسي، حينما استغل الدين، أمكنه إنتاج تنظيمات إرهابية متطرفة، بأفكار وأساليب لا يتصورها عقل مهما شذ عن الناموس الإنساني. ويمكننا كذلك، أن نرى أن مجتمعاتنا العربية لاتزال تعيش حالة من عدم التواؤم مع الواقع المعاصر، رغم أن المنظومات الاقتصادية المعتمدة تتطابق مع ما هو سائد في أغلب العالم المعاصر.

في صلب هذا، يجدر التنويه إلى أن الأدب يمثل أهم الروافع الثقافية على الإطلاق، وأكثر قدرة على صياغة الوعي. لهذا، فإن الاستثمار العربي في أصناف ثقافية وفنية معينة، مثل الأغنية والمواد التلفزيونية بأنواعها، لا يغني عن استثمار ورعاية واسعة لصنوف الأدب، وتدعيم القطاعات المتعلقة بها، مثل قطاعات النشر والطباعة والتوزيع والإعلام المكتوب، وعلى وجه الخصوص الثقافي منه.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية خاصة للاهتمام بقطاع التعليم، إلى جانب الاهتمام باستخدامه في تعظيم الاستثمار في الثقافة؛ على الأقل لأن الجيال الجديدة من المتعلمين، يمكنها أن تكون متخصصة إن تم ضمان قدرتها على استيعاب العالم والواقع المعاصر ثقافياً، وإن أمكن من إنقاذها من «الهوس» المرضي بالسياسة، الذي يجعل بلادنا تمتلئ بأصحاب الهوى السياسي، ولكنها تفتقر إلى كفاءات حقيقية في المجالات الأخرى.

طباعة Email