الدروس المهملة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا نزال في عالمنا العربي نعيش حالة إنكار لما جرى في شأن الملف النووي الإيراني. وكنا نعيش هذه الحالة، أساساً، منذ بدء المفاوضات، ولم نشأ أن نفهم كيف أن مصالح الدول الكبرى مع إيران فرضت على هذه الدول الضغط للتوصل إلى تسوية تجعل من الممكن استئناف العلاقات الطبيعية مع طهران.

ولكن اليوم مع توقيع الاتفاق، هناك دروس ذات دلالات مهمة، يغيب الانتباه إليها وسط زحمة الأفكار والانفعالات. وهذه الدروس المهملة هي:

- يمثل إنجاز الاتفاق، بمرحلتيه، إقراراً دولياً بالرؤية الروسية للقضايا الإقليمية، وخصوصاً ما تعلق منها بمنطقتنا. ولهذا فإن اتفاق الإطار المبدئي الموقع في أبريل الماضي، جاء ليترجم مقترحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي طرحها في ألمآتا قبل أكثر من عامين. وهذا يعكس مدى الجدية التي يتعامل بها الروس مع «ملفاتهم».

- استطاع الجانب الروسي إحاطة المفاوضات بكل الصبر اللازم، ومارس ضغوطه على إيران في فترة ما، مستخدماً صفقة الـ«إس 300»، ثم حيّد كل الضغوط التي مورست على موسكو وطهران بعد ذلك، ولم يتزحزح عن موقفه من الاتفاق، سواء لجهة شكله، أو مضمونه، أو مؤداه. لذا، علينا أن نفكر ملياً بما تستطيع موسكو أن تفرضه في عالم اليوم.

ويمكن هنا أن نلاحظ أن «سادة الموقف» الأميركيين، لم يتمكنوا من التمسك بموقفهم الخاص الذي يمثل التوافق بين المؤسسات الداخلية في الولايات المتحدة، واضطروا إلى تطوير رؤية مشتركة مع موسكو، والقبول بـ«رعاية» روسية للمفاوضات. ما يدعونا إلى الانتباه إلى أن ممارسة التأثير في الداخل الأميركي لم يعد ضمانة لضبط موقف الإدارة الأميركية.

وهنا، يتوجب الانتباه إلى أن الاتفاق ليس مجرد نجاح غربي أو إيراني أو روسي، بل هو ترسيخ لأسلوب جديد في التعاطي مع أزمات المنطقة. وفي المحصلة، فإن ما جرى في الملف النووي الإيراني سينطلي دون شك على أزمات أخرى، لا سيما تلك التي تحظى باهتمام خاص من موسكو.

الأمر الآخر الذي يستحق انتباهاً خاصاً هو أن تهيئة الظروف المناسبة لـ«التعامل» مع «إيران ما بعد الاتفاق» يقتضي إطفاء النيران العربية بالسرعة الممكنة، واستباق الجهود الدولية لإطفائها باستخدام النموذج النووي الإيراني الذي لن يكون خالياً من الإلزامات والالتزامات.

طباعة Email